عيد الأضحى في المغرب: من قدسية الكبش الأمازيغي إلى انقلاب المعنى

عيد الأضحى في المغرب: من قدسية الكبش الأمازيغي إلى انقلاب المعنى

مع إعلان وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن عيد الأضحى المبارك سيكون يوم الأربعاء 27 ماي 2026، يستعيد المغاربة هذا الموسم بعد سنة استثنائية امتنع فيها الناس عن النحر استجابةً للإهابة الملكية. تعود هذه السنة شعيرة الذبح بصيغتها المعتادة، حيث أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة أن المغاربة سيتمكنون هذه السنة من نحر الأضحية بمناسبة عيد الأضحى، خلافاً للسنة الماضية التي تم فيها إلغاء هذه الشعيرة بسبب الظروف التي مرت بها البلاد. لكنّ هذه العودة تستدعي وقفة تأمل: ما الذي يجعل علاقة المغربي بالخروف بهذه الكثافة الرمزية؟ ولماذا تحوّل العيد عبر الزمن من شعيرة روحية إلى ما يقترب من طقس استهلاكي مُتخم بالتباهي؟ وكيف نستعيد عمقه عبر استثمار العشر الأوائل من ذي الحجة؟

أولاً: قدسية الخروف عند المغاربة - جذور سابقة للإسلام

ليست علاقة المغربي بالكبش وليدة الإسلام وحده، بل هي جذور موغلة في عمق التاريخ الأمازيغي. قدّس الأمازيغ الكبش وعبدوه ضمن آلهتهم منذ القديم، وكان حضوره في معتقداتهم القديمة من أبرز ملامح الشخصية الدينية لشمال إفريقيا قبل دخول الديانات السماوية. وقد ورد ذكر الكبش في موروثهم بصفته "الإله أمون"، حيث كان يُجسّد على شكل كبش ذي قرنين، يمثل الشمس عند الغروب، وكاد يكون لكل قبيلة ليبية كبشها المقدّس الخاص بها.

اللافت أن هذا التقديس لم ينقطع كليّاً بمجيء الإسلام، بل تحوّل وتشكّل في قوالب جديدة. يذكر الباحث المغربي محمد أوسوس أن المؤرّخ البكري ذكر بأن عبادة الكبش في بلاد المغرب الأقصى استمرت إلى فترة العصور الوسطى (القرن 11 م)، إذ تحدّث عن قبيلة تسكن منطقة جبلية بين أغمات وسوس جنوب المغرب، كانت لا تزال تعبد الكبش في عهده. ولا تزال آثار هذا التقديس حاضرة إلى اليوم في تفاصيل دقيقة من سلوك المغاربة، إذ يدخل الكبش كقربان في الطقوس وفي تضحيات واحتفالات كرنفالية، ولا يزال القروي الأمازيغي يقدّس قرون كبش الأضحية والنذور، ويحتفظ بها في بيته اعتقادا منه أنها تقيه الشر وتدفع عنه الأذى.

أما في الميدان الاحتفالي، فيكفي أن نتأمل طقس "بيلماون" أو "بوجلود" الذي لا يزال يُحيا في مناطق سوس والأطلس عقب العيد مباشرة. هذا الطقس، بحسب الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي، يرجع إلى عصور قديمة، قبل مجيء الإسلام، ويُمارسه الأمازيغ كطقس وثنيّ يرتبط بالقرابين، التي كانت المجتمعات القديمة تضحي بها من أجل خصوبة الأرض والنسل، وعندما جاء القربان الإبراهيمي (عيد الأضحى)، اندمج الطقسان معاً، وأصبحا يشكلان احتفالاً واحداً، بمرجعيات مختلفة ومتناقضة.

هكذا، فإن ما يبدو لكثير من المغاربة "تقليداً إسلامياً صرفاً" هو في حقيقته نسيج مركّب من طبقتين: طبقة شريعة إبراهيمية محمدية، وطبقة قربان أمازيغي يستجدي خصوبة الأرض ودفع الشر. وفي هذا فهمٌ يصحّح كثيراً من المغالاة، حين نُدرك أن جزءاً من حماسنا للأضحية ليس بالضرورة تديّناً خالصاً، بل قد يكون استمراراً لا واعياً لطقس قديم.

ثانياً: انقلاب المفاهيم - من شعيرة الروح إلى موسم الاستهلاك

حين نتأمل المشهد اليوم، نُدرك حجم الانقلاب الذي طرأ على معنى الأضحية. كانت الأضحية في أصلها رمزاً لتزكية النفس وكسر شهوة التملّك، فإذا بها تحوّلت عند البعض إلى مناسبة لاستعراض القدرة الشرائية والمباهاة بحجم القرون ولون الصوف.

أصبح حديث المغاربة قبل العيد بأسابيع لا يدور حول معنى التضحية، بل حول ثمن الكبش، وعن "الكسابة والشناقة" الذين يرفعون الأسعار، وعن السباق المحموم بين العائلات لاقتناء الأضحية الأضخم. وقد رصد علماء الاجتماع هذه الظاهرة، حيث يطرح المتخصصون تساؤلات حول ما إذا كانت "إكراهات اقتصادية ترخي بظلالها على 'الديني' و'الاجتماعي'، أم ببروز 'قيم جديدة' وتمثلات اجتماعية وأنماط استهلاك مغايرة بخصوص هذا الموضوع".

أكثر من ذلك، تكشف الأرقام والوقائع أن الأضحية في الميزان الاقتصادي اليوم باتت مرتبطة بـ لوبيات الماشية والوسطاء أكثر من ارتباطها بمعنى التقرّب إلى الله. ولعلّ تجربة السنة الماضية، حين أكد الملك في رسالته أهمية الحفاظ على هذه القيم، داعياً الشعب المغربي إلى "إحياء عيد الأضحى بالطقوس المعتادة مثل صلاة العيد وصلة الرحم والإنفاق على المحتاجين"، قد فتحت أمام المغاربة نافذة نادرة لإعادة اكتشاف أن العيد ليس الذبيحة، وأن المعنى يسبق الشعيرة الظاهرة.

الفضيحة الكبرى: ما وقع في عيد 2025

لكنّ ما حدث في تلك السنة كشف عن العورة الحقيقية للعلاقة المغربية بهذه الشعيرة. ففي اللحظة التي كان يُنتظر فيها أن يثبت المغاربة أن تعلّقهم بالعيد إيمانيٌّ روحي، كشفت الوقائع عكس ذلك تماماً. فقد اختار البعض ذبح الأضاحي أياما قبل موعد العيد خشية الملاحقة أم المنع، فيما لم تستطع فئة قليلة منع نفسها من شراء الخروف سرا أياما قبل العيد، وذبحه خفية عن الجيران وعن أعين السلطات.

والأخطر من ذلك، أن قسماً واسعاً ممن لم يستطيعوا اقتناء الخروف الحي، توجّهوا إلى محلات الجزارة يشترون اللحم بالكيلو، أو يقتنون خرفاناً مذبوحة كاملة لاستهلاكها في العيد، حتى إن مع قرب عيد الأضحى في المغرب، تزايد الطلب على لحوم الخرفان والعجول، بعدما أهاب العاهل المغربي محمد السادس بعدم ذبح الأضاحي هذه السنة. وفي مشاهد المدن المغربية، كان الناس يصطفّون أمام الجزارين، يطلب أحدهم كرشة خروف بستمائة درهم، ويلحقه آخر بالطلب نفسه، فيما كان آخرون يلجؤون إلى ذرائع متنوعة، فيعتزمون التذرع بمناسبات احتفالية أخرى لتبرير حقهم في اقتناء الأكباش وذبحها. ونتيجة الإقبال السريع قبل غلق الأسواق ارتفعت أسعار اللحوم بشدة مما جعل عددا من المغاربة يستهجنون هذا السلوك.

هنا تتفجّر المفارقة الكاشفة: ما الذي كان يبحث عنه هؤلاء حقاً؟ لو كان الأمر شعيرة دينية خالصة، لما جاز شرعاً ولا عقلاً أن تُذبح الأضحية قبل العيد، إذ شرط صحتها أن تكون بعد صلاة العيد في وقت محدد. ولو كان الأمر تعظيماً لسنّة إبراهيم، لما اشترى المرء لحماً جاهزاً من الجزّار ليأكله في يوم العيد. فالأضحية ليست لحماً يُؤكل، بل دمٌ يُراق تقرّباً إلى الله. ومن اشترى لحماً مقطّعاً ووضعه على مائدة العيد، فإنه لم يُحيِ شعيرة، بل أحيا عادة طعام.

هذا السلوك الجماعي عرّى الحقيقة المؤلمة: أن ما يُقدّسه كثير من المغاربة في عيد الأضحى ليس الأضحية بمعناها التعبّدي، بل اللحم والأكل والمائدة العامرة. هو تقديس للبطن، لا للقلب. تقديس للمظهر الاجتماعي ("بيتنا أيضاً فيه طاجين البرقوق وكفتة مشوية")، لا لمعنى الانقياد لله. وقد عبّر المراقبون عن ذلك بدقة حين رأوا في الظاهرة مظهرا من مظاهر التدين المرتبطة بالعادات والتقاليد أكثر منه حرصا على تعظيم الشعيرة والالتزام الشرعي.

ولعلّ أحد المعلّقين أصاب كبد الحقيقة حين قال إن العيد لا علاقة له بالدين وإنما اصبح عادة وتقاليد في المجتمع لابد منها، وإن الأضحية صارت "عادة مرسّخة وأقوى من الدين" عند فئة من الناس. فحين تنقلب الموازين بهذا الشكل، ويصبح أكل اللحم أهمّ من استجابة أمير المؤمنين ومن معنى التقرّب، نُدرك أن انقلاب المفهوم قد بلغ ذروته.

ويتجلى هذا الانقلاب في مظاهر عدة:

• انقلاب الغاية: من إطعام الفقير والجار إلى إشباع البطون في أسر متخمة أصلاً.

• انقلاب المعيار: صار الناس يقيسون "نجاح العيد" بحجم الأضحية وثمنها، لا بمدى التزكية الروحية التي حقّقها صاحبها.

• انقلاب الجوهر: لم يعد الناس يبحثون عن "القربان" بل عن "اللحم"، وهذه أعظم مفارقة كشفتها سنة 2025.

• انقلاب التبعية: من حرية المؤمن في ممارسة سنّة مؤكدة بحسب استطاعته، إلى ضغط اجتماعي يدفع الفقير إلى الاستدانة كي لا يُحرج أمام جيرانه وأبنائه.

ثالثاً: العشر الأوائل من ذي الحجة - بوابة استرجاع المعنى

في خضم هذا الانقلاب، تأتي العشر الأوائل من ذي الحجة كفرصة ربانية لإعادة ضبط البوصلة. هذه الأيام، التي تبدأ هذه السنة من فاتح ذي الحجة الموافق 18 ماي 2026، ليست أياماً عادية في تقدير الشرع. فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "ما مِن أيَّامٍ أعظَمُ عندَ اللَّهِ ولا أحِبُّ إليهِ العملُ فيهنَّ من أيَّامِ عشرِ ذي الحِجَّةِ فأَكثِروا فيهنَّ منَ التَّسبيحِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ والتَّهليلِ".

ومن عظمتها أن الله أقسم بها في كتابه، إذ قال الله تعالى في سورة الفجر: "وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ"، وقد أجمع جمهور المفسرين أن المقصود بـ"الليالي العشر" هي العشر الأوائل من ذي الحجة. والقاعدة المعروفة أن الله لا يُقسم إلا بعظيم.

تتنوع الأعمال المستحبة في هذه الأيام، ولا تقتصر على عبادة بعينها. فقد أوضح أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية أن الصيام من أعظم الأعمال في هذه الأيام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، مشيرًا إلى أن كل عمل صالح داخل في هذا الفضل الواسع، حتى إماطة الأذى عن الطريق والإحسان إلى الجار.

ولعلّ أبرز ما يستحق التذكير به في هذه الأيام:

• صيام التسع الأول خاصة يوم عرفة لغير الحاج، وقد جاء في الأثر أنه يكفّر سنتين.

• الإكثار من الذكر: التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح.

• قراءة القرآن والتدبر فيه.

• الصدقة خاصة على القرابة والجيران المحتاجين قبل العيد.

• صلة الرحم التي تذبل في زحمة الانشغال بالأضحية.

• التوبة الصادقة والاستعداد الروحي لاستقبال العيد بقلب نظيف.

والمفارقة المؤلمة أن كثيراً من المغاربة يقضون هذه الأيام المعظّمة في الجري وراء سوق الماشية، والمساومات، والقلق على ثمن الكبش، فيُضيّعون موسماً ربانياً يفوق في فضله الأضحية ذاتها.

خاتمة: نحو عيد بمعنى مستعاد

عيد الأضحى ليس خروفاً يُذبح، وليس لحماً يُؤكل، وليس قروناً تُعلّق على الجدار كما فعل الأجداد الأمازيغ. هو في جوهره استعادة لمعنى الإبراهيمية: أن يُسلّم الإنسان لله أحبّ ما عنده، وأن يكسر شهوة التملّك بفعل التضحية، وأن يفتح بابه للفقير والجار. هذه السنة، ونحن نعود إلى الشعيرة بعد سنة من الغياب كشفت لنا حقيقة أنفسنا، تُتاح لنا فرصة نادرة: أن نمارس الأضحية بوعي جديد، يستحضر العمق التاريخي دون التيه فيه، ويتحرر من قبضة الاستهلاك دون التفريط في السنّة، ويستثمر العشر الأوائل بما يجعل العيد امتداداً لتزكية، لا انفجار شهوة بعد عشرة أيام من الغفلة.

وحينها فقط، يستعيد العيد اسمه الذي اخترعه له المغاربة "العيد الكبير" كبير بمعناه، لا بحجم خروفه ولا بثقل لحمه.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك