فاتورة الإهمال: حين تتحوّل شركات التوزيع إلى خصم للمواطن

فاتورة الإهمال: حين تتحوّل شركات التوزيع إلى خصم للمواطن

تحليل نقدي في واقع قطاع الماء والكهرباء بالمغرب

يجد المواطن المغربي نفسه اليوم محاصَراً في مواجهة غير متكافئة؛ مواجهة تضعه وحيداً في مواجهة كيانات مؤسسية ذات ثقل قانوني وإداري ومالي. فمن جهة، ثمة فواتير متصاعدة لا تعكس دائماً جودة الخدمة المقدمة، ومن جهة أخرى، تدنٍّ صارخ في مستوى الأداء تجليه الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، والتذبذبات المفاجئة في الجهد التي تودي بالأجهزة المنزلية إلى الخراب.

لقد باتت ظاهرة '' (Surtension) أي الارتفاع المفاجئ في الجهد الكهربائي، كابوساً حقيقياً يسكن يوميات آلاف الأسر المغربية. فحين تنقطع الكهرباء ثم تعود بقوة مضاعفة في جزء من الثانية، لا يجد المواطن أمامه سوى بقايا أجهزة أحرقتها موجة من الجهد الزائد، ليتساءل في مرارة: من يتحمل المسؤولية؟ ولماذا تتغيّب شركات التوزيع عن الإجابة؟

أولاً: تشريح الأزمة جهل مقصود أم إهمال ممنهج؟

لا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن السياق الهيكلي الذي تعمل فيه شركات تدبير وتوزيع الماء والكهرباء بالمغرب. إذ تجمع هذه الشركات في يدها سلطة احتكارية في مناطق نفوذها، مما يعني غياب أي منافسة حقيقية تُجبرها على الارتقاء بجودة خدماتها أو مراعاة مصالح المشتركين.

وتكشف الوقائع الميدانية أن شبكات التوزيع في عدد من المدن والمناطق تعاني من شيخوخة تقنية متقدمة؛ فالبنية التحتية القديمة، وضعف الصيانة الدورية، وغياب أنظمة الحماية الكافية من تذبذبات الجهد كل ذلك يُشكّل بيئة خصبة لحوادث الاحتراق والإتلاف.

والأخطر من ذلك أن هذه الشركات تمتلك المعرفة التقنية الكافية لتشخيص المشكلة. فهي تعلم أن انقطاع التيار ثم عودته بشكل مفاجئ قد يُنتج موجة جهد عالية تتجاوز الطاقة الاستيعابية للأجهزة المنزلية ومع ذلك، لا تُبادر إلى تحذير المشتركين، ولا تُلزم نفسها بتركيب منظمات جهد في النقاط الحساسة. هذا ليس إهمالاً عارضاً بل إنه قرار ضمني بتحميل المواطن تبعات قصور الشبكة.

ثانياً: ذريعة 'القوة القاهرة' درع قانوني في وجه المظلوم

أمام كل شكوى، يُسارع موظفو هذه الشركات إلى استحضار مفهوم 'القوة القاهرة' باعتباره ورقة سحرية تُسقط أي مسؤولية تعاقدية. والحال أن هذا المفهوم القانوني، المستمد من أحكام قانون الالتزامات والعقود المغربي، له شروط صارمة لا تنطبق بالضرورة على الحالات المطروحة.

فـ'القوة القاهرة' تستلزم أن يكون الحدث خارجياً، غير متوقع، وغير قابل للدفع. غير أن تذبذبات الجهد الناتجة عن ضعف بنية التوزيع وتقادم الشبكة لا تدخل في هذا التعريف؛ فهي أحداث تقنية قابلة للتوقع والوقاية متى أُحكمت الصيانة وتُوفّرت معدات الحماية المناسبة. وهكذا تتحوّل ذريعة 'القوة القاهرة' من استثناء قانوني مشروع إلى أداة انتهازية تُوظَّف لإعفاء المُهمِل من مسؤوليته.

علاوة على ذلك، فإن عقد الاشتراك الذي يربط المواطن بشركة التوزيع هو عقد إذعان بامتياز، صِيغت بنوده بشكل أحادي الجانب، وتضمّن في الغالب إعفاءات مبهمة تُقيّد حق المشترك في المطالبة بالتعويض. وهو ما يطرح تساؤلاً جدياً حول مدى توافق هذه البنود مع متطلبات حماية المستهلك المنصوص عليها في القانون رقم 31.08.

ثالثاً: البيروقراطية كسلاح سياسة الإنهاك الإداري

حتى حين يُقرر المواطن المتضرر عدم الاستسلام ويتوجه إلى مصالح الشركة بشكواه، يجد أمامه متاهة إدارية مُحكمة التصميم. فمكاتب الاستقبال تُعيد توجيهه من قسم إلى آخر، والملفات تختفي أو 'تتأخر' في المعالجة، ومدد الرد تمتد أسابيع وأحياناً أشهراً دون مخرج واضح.

هذا الأسلوب ليس عشوائياً. إنه ما يمكن تسميته بـ'استراتيجية الإنهاك الإداري': إطالة المسار حتى يُحجم المتضرر عن الاستمرار، خاصة حين يكون المبلغ المطالَب به متواضعاً لا يُبرر في نظره الخوض في سنوات من الملاحقات الإدارية والقضائية. فالشركة تحسب — بذكاء بارد — أن تكلفة التعويض أعلى دائماً من تكلفة إجراءات الدفع ومقاومة الشكاوى.

وقد رصدت تقارير عدة صادرة عن جمعيات حماية المستهلك بالمغرب هذا النمط، مشيرةً إلى أن نسبة الشكاوى التي تُسوَّى لصالح المواطن تبقى هزيلة مقارنة بحجم الأضرار الفعلية المُبلَّغ عنها.

رابعاً: الإطار القانوني حقوق قائمة لكن مُعطَّلة

يُوفّر الإطار القانوني المغربي، نظرياً، جملة من الضمانات التي تحمي المواطن المتضرر. فالمادة 78 من قانون الالتزامات والعقود تُقرّ مبدأ المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية. كما أن قانون حماية المستهلك (31.08) يُلزم المتعهدين بضمان جودة الخدمة وسلامة المستخدم.

وعلى الصعيد الإداري، تملك هيئة تحكيم النزاعات المتعلقة بقطاع الكهرباء صلاحيات الفصل في الشكاوى، فضلاً عن دور محاكم الدرجة الأولى في النظر في دعاوى التعويض. ويبقى الخيار القضائي متاحاً وإن ظلّ مُرهِقاً زمنياً ومالياً لمن يسلكه.

بيد أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي تظل واسعة. فالمواطن العادي لا يملك دائماً الوعي القانوني الكافي، ولا التمثيل القضائي المناسب، ولا التوثيق التقني المطلوب لإثبات العلاقة السببية بين عطب الشبكة وإتلاف جهازه. وهنا بالذات يُحكم الطرف القوي قبضته على الطرف الضعيف.

خامساً: مقارنة استئناسية ماذا تفعل الدول المتقدمة؟

في دول كفرنسا وألمانيا وإسبانيا، تعمل شركات توزيع الكهرباء وفق مبدأ واضح: الشبكة في عهدة الشركة، وكل ضرر ناجم عن خللها يقع على عاتقها. وتوجد آليات مُبسَّطة لتقديم الشكاوى والحصول على التعويض في مدد قصيرة لا تتجاوز أسابيع. بل تلجأ بعض الشركات الأوروبية إلى التأمين التلقائي على الأجهزة المنزلية ضمن عقد الاشتراك.

أما في المغرب، فلا تزال هذه الآليات غائبة أو مُجتزأة، في ظل ضعف الرقابة المستقلة على شركات التوزيع وغياب جهاز تحكيم قطاعي فعّال يُنصف المواطن بعيداً عن مسار التقاضي الطويل.

سادساً: توصيات للخروج من النفق

أمام هذا الواقع، لا يكفي التشخيص دون اقتراح مسارات للإصلاح. ويمكن إجمال أبرز التوصيات في المحاور التالية:

على صعيد الحوكمة: ضرورة تعزيز استقلالية هيئات ضبط قطاع الطاقة وتوسيع صلاحياتها في مراقبة جودة الخدمة وفرض العقوبات على المخالفين.

على الصعيد التعاقدي: مراجعة نماذج عقود الاشتراك لضمان التوازن بين حقوق المشترك والتزامات الشركة، وتبسيط إجراءات المطالبة بالتعويض.

على الصعيد التقني: إلزام شركات التوزيع بتحديث البنية التحتية القديمة وتركيب أنظمة حماية تلقائية من تذبذبات الجهد، لا سيما في المناطق الأكثر تضرراً.

على صعيد الوعي الحقوقي: دعم جمعيات حماية المستهلك ومنحها صفة التقاضي الجماعي، مع إطلاق حملات توعية تُعرّف المواطن بحقوقه وبالمسارات القانونية المتاحة.

خاتمة: ليس قدراً محتوماً

ما يعيشه المواطن المغربي مع شركات توزيع الماء والكهرباء ليس قدراً محتوماً ولا طبيعة لصيقة بالخدمات العمومية. إنه نتيجة طبيعية لخلل في موازين القوى، وضعف في منظومة الرقابة والمساءلة، وغياب ثقافة الحقوق من كلا الطرفين.

إن حماية المواطن من جشع الشركات وإهمالها ليست مجرد شعار انتخابي، بل هي التزام دستوري ومتطلب تنموي. فالكهرباء والماء ليسا سلعتين عاديتين خاضعتين لمنطق السوق الصرف — إنهما خدمتان أساسيتان، والدولة ملزمة بضمان جودتهما وحماية مستخدميهما.

وإلى أن يتغير هذا الواقع، لا يبقى أمام المواطن إلا التسلّح بالوعي والتوثيق والمطالبة وإن كان يحق له أن يتساءل: لماذا يظل وحيداً في هذه المعركة غير المتكافئة؟

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك