فاطمة الزهراء المنصوري.. حين تفتح امرأة من مراكش باب الحكومة

فاطمة الزهراء المنصوري.. حين تفتح امرأة من مراكش باب الحكومة

في الصباح نفسه الذي أُعلن فيه اسمها، كانت صور فاطمة الزهراء المنصوري تتصدر الشاشات وهي تغادر القصر الملكي بالرباط بخطى هادئة، دون أن يظهر عليها كثير من الانفعال. ربما لأنها اعتادت، طوال سبعة عشر عاماً من العمل السياسي، أن تتحرك بحذر محسوب. أو ربما لأن اللحظة كانت أكبر من أن يفي بها أي تعبير على الوجه: امرأة تدخل التاريخ المغربي من بابه الواسع، لتصبح أول من يحمل لقب رئيسة الحكومة منذ استقلال البلاد قبل سبعين عاماً.

 

الخبر، في جوهره، لم يكن مفاجئاً لمن يتابع الشأن المغربي عن قرب. فالفصل 47 من الدستور واضح: رئيس الحكومة يُختار من الحزب الذي يتصدر الانتخابات التشريعية، ولا مجال للاجتهاد خارج هذا النص. وحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقود المنصوري قيادته الجماعية منذ سنوات، بتركيبة ثلاثية، حسم السباق يوم 23 سبتمبر بحصوله على 97 مقعداً، متقدماً بفارق لا بأس به عن التجمع الوطني للأحرار (66 مقعداً) والاستقلال (65 مقعداً)، فيما عاد حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة بـ 54 مقعداً بعد سنوات من الانحسار. هكذا، وبعملية حسابية بسيطة أكثر منها مفاجأة سياسية، وجدت المنصوري نفسها خلفاً لعزيز أخنوش الذي قاد الحكومة السابقة منذ 2021.

لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. فالمرأة التي تستلم اليوم مقاليد السلطة التنفيذية في المغرب ولدت في مراكش سنة 1976، ودرست القانون هناك قبل أن تشد الرحال إلى فرنسا ثم الولايات المتحدة لتستكمل تكوينها. حين عادت، لم تتجه مباشرة نحو السياسة، بل نحو مهنة المحاماة، وتحديداً في مجال العقار، وهو تخصص ظل يلازمها حتى بعد أن أصبحت اسماً وازناً في الحياة السياسية المغربية.

نقطة التحول الحقيقية في مسارها جاءت سنة 2009. يومها خاضت انتخابات رئاسة مجلس مدينة مراكش وفازت بها بفارق ثمانية عشر صوتاً فقط عن منافسها عمر الجزولي، لتصبح أول امرأة تتولى عمودية المدينة الحمراء.

 

بعدها توالت المحطات: دخول حزب الأصالة والمعاصرة عند تأسيسه سنة 2008، ثم البرلمان، ثم أخيراً الحقيبة الوزارية التي حملتها منذ أكتوبر 2021، حين كلفها الملك محمد السادس بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهو ملف يعرف من يتابعه أنه من أكثر الوزارات تعقيداً وتشابكاً مع مصالح محلية وعقارية حساسة. طوال خمس سنوات، جمعت المنصوري بين هذه الوزارة وعمودية مراكش في آن واحد، وهو أمر نادر حتى بمقاييس الطبقة السياسية المغربية التي لا تتردد أحياناً في الجمع بين المواقع، لكن قلما بهذا الشكل المزدوج المستمر.

الآن، وقد أصبحت على رأس الحكومة، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يبدأ بعد. فحزب الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره الانتخابات، بعيدا كل البعد عن الأغلبية المطلقة التي تتطلب 198 مقعداً من أصل 395. هذا يعني أن المنصوري، بدل أن تحتفل طويلاً بلقبها التاريخي، ستجد نفسها من الأسبوع الأول منشغلة بمشاورات مرهقة مع أحزاب لا تتقاسم بالضرورة الأولويات ذاتها. السيناريو الأقرب، بحسب ما يتداوله مقربون من دوائر القرار، هو إعادة إنتاج التحالف السابق مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، رغم أن أبواب التفاهم مع الحركة الشعبية أو الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية تبقى مفتوحة إذا تعثرت الخيارات الأولى.

 

في المقابل، لم ينتظر حزب العدالة والتنمية طويلاً ليحسم موقعه: معارضة، بلا تردد، وبعودة برلمانية قوية تمنحه 54 مقعداً تجعل من أي مواجهة معه أمراً لا يمكن الاستهانة به. أضف إلى ذلك أن المنصوري ستُختبر أيضاً على أرضية لا علاقة لها بالحسابات الحزبية: كأس العالم 2030، التي يستضيفها المغرب بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، وتتطلب من الحكومة المقبلة انضباطاً استثنائياً في أوراش البنية التحتية، وهي أوراش تصادف أنها قريبة جداً من الملف الذي عملت عليه المنصوري لسنوات.

هي نفسها، في أول كلمة لها بعد الاستقبال الملكي، لم تتحدث بلغة النصر، بل بلغة المسؤولية. قالت إن المرحلة "تحمل تطلعات كبيرة من جانب المواطنات والمواطنين، ولا سيما الشباب"، وأعلنت أنها ستبدأ فوراً بمشاورات داخلية في حزبها قبل التوجه إلى باقي الأحزاب. كلام متوقع، ربما، من أي سياسي في موقعها. لكنه يكتسب وزناً إضافياً حين يصدر عن امرأة تدرك أن كل خطوة تخطوها الآن ستُقرأ، شاءت أم أبت، كاختبار لقدرة النساء المغربيات على تولي أعلى المواقع التنفيذية، لا كاختبار شخصي لها وحدها.

 

وهنا بالضبط تكمن المفارقة التي يصعب تجاهلها: المغرب الذي لم يعرف أول امرأتين في برلمانه إلا سنة 1993، يجد نفسه بعد أكثر من ثلاثة عقود أمام امرأة تقود حكومته بأكملها. تقدم بطيء، متعرج أحياناً، لكنه وصل إلى هذه المحطة. غير أن التاريخ، كما يعرف كل من راقب السياسة عن كثب، لا يرحم من يكتفي بالرمزية. فاطمة الزهراء المنصوري لن تُقاس بكونها الأولى، بل بما ستتركه خلفها حين تغادر هذا المنصب يوماً: حكومة نجحت أم تعثرت، وعوداً أُوفي بها أم بقيت معلقة، وباباً ظل مفتوحاً لمن يأتين بعدها، أو أُغلق من جديد.

 

كل هذا لن يحجب حقيقة أن الانتخابات الأخيرة ستظل محفورة في الذاكرة، وأن منتقديها لن يتغاضوا عن أحداث طنجة وتداعياتها التي ألحقت ضرراً بالغاً بالحزب الفائز. وفي هذا السياق، يطرح نفسه سؤال مشروع: هل نشهد انتخاب أول امرأة لرئاسة البرلمان؟ وهل سيصوت حزب العدالة والتنمية لصالح قياديته البارزة "ماء العينين" لتولي رئاسة فريقه النيابي؟ إن خطوة كهذه ستعكس بلا شك ثقة حقيقية في النساء اللواتي يمثلن نصف المجتمع... وللحديث بقية.

بقلم:

عبد الملك السعود

الأستاذ والإعلامي عبد الملك السَّعُود هو أحد الوجوه الإعلامية البارزة في المشهد الصحفي في شمال المغرب، وتحديداً في منطقة طنجة وتطوان، حيث راكم تجربة مهنية طويلة في الصحافة المكتوبة والإعلام الجهوي والوطني. ارتبط مساره المهني لسنوات طويلة بوكالة المغرب العربي للأنباء (MAP)، حيث اشتغل كصحافي ومحرر أول، وتولى مهاماً أساسية في التغطية الإخبارية والمواكبة الإعلامية لكبريات الأحداث السياسية، التنموية، والثقافية في جهة طنجة - تطوان - الحسيمة.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك