تشديد الخناق على "IPTV" والقرصنة الرقمية.. حماية للمبدعين أم عبء جديد على جيب المستهلك؟
دخل المغرب مرحلة جديدة في معركته ضد القرصنة الرقمية، بعد دخول القانون رقم 013.26 حيز التنفيذ، وهو النص الذي يغيّر ويتمم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بعد مصادقة مجلسي النواب والمستشارين عليه ونشره بالجريدة الرسمية عدد 7533 بتاريخ 10 غشت 2026.
ويأتي هذا التعديل استجابةً لتسارع التحولات التكنولوجية وتنامي ظاهرة البث غير المرخّص عبر الإنترنت، لا سيما ما يُعرف بخدمات "IPTV" التي أصبحت تُسوَّق على نطاق واسع. وقد وسّع النص الجديد تعريف "البث الإذاعي والتلفزي" و"النقل إلى الجمهور" ليشمل صراحةً الاستغلال عبر الإنترنت والأقمار الاصطناعية والوسائل الرقمية، كما وضع تعريفًا صارمًا لـ"القرصنة"، معتبرًا كل استغلال غير مرخّص لمصنَّف أو أداء — بأي وسيلة كانت — فعلًا يعاقب عليه القانون.
ولم يقف المشرّع عند التعريفات، بل منح الأعوان ومحرري المحاضر المؤهلين صلاحيات واسعة تشمل ولوج المحلات وتفتيش نظم المعلومات وحجز المعدات المرتبطة بالمخالفات، فيما خوّل للمحاكم إصدار أوامر بإيقاف أي خرق لحق محمي، بما في ذلك في مواجهة كل من يستطيع بحكم وظيفته وقف عملية النقل. وفي شقّه المادي، أقرّ القانون نسبًا واضحة لتوزيع العائدات، خصّص منها 35% لفناني الأداء وناشري الكتب والصحف و10% للمنتجين، في خطوة تُقدَّم بوصفها ضمانةً للشفافية وإنصافًا لحلقات السلسلة الإبداعية.
الوجه الآخر للصورة
غير أنّ قراءة هذا الورش لا تكتمل دون النظر إلى السؤال الذي يطرحه المواطن العادي: إذا كان الطريق غير القانوني ممنوعًا ومُجرَّمًا، فهل الطريق القانوني في متناول الجميع؟
الواقع أنّ الولوج الرسمي إلى المحتوى — من باقات القنوات الرياضية إلى منصات الأفلام والمسلسلات والاشتراكات المرخّصة — أصبح يمثّل كلفة شهرية ثقيلة قياسًا بالقدرة الشرائية لشريحة واسعة من المغاربة. فاشتراك واحد في قناة رياضية لمتابعة الدوريات الكبرى قد يوازي جزءًا معتبرًا من الحد الأدنى للأجر، ويتضاعف الرقم حين تُضاف إليه منصات البث الأخرى التي باتت هي بدورها تجزّئ محتواها بين اشتراكات متعددة.
وهنا يكمن جوهر المفارقة: فانتشار "IPTV" لم يكن وليد الرغبة في المخالفة بقدر ما هو انعكاس لفجوة بين عرضٍ قانوني مرتفع الثمن وطلبٍ اجتماعي واسع على الترفيه والمعلومة والرياضة. إنّ الأسرة المتوسطة أو المحدودة الدخل تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إمّا التخلي عن متابعة ما يتابعه العالم، وإمّا اللجوء إلى بدائل رخيصة تضعها اليوم في دائرة المساءلة القانونية.
ولا يعني ذلك التقليل من مشروعية حماية المبدعين وحقوق المؤلفين، فهي حقوق مكفولة ومطلب عادل يصون الاقتصاد الثقافي الوطني. لكنّ نجاح أي سياسة زجرية يبقى مرهونًا بمدى توفّر بديل قانوني معقول الثمن. فالمقاربة الأمنية والقضائية، مهما بلغت صرامتها، تظلّ ناقصةً ما لم تُرافقها سياسة تحفّز الفاعلين على تقديم عروض في متناول الجيوب المتوسطة، عبر باقات مرنة وأسعار متدرّجة تراعي الخصوصية الاجتماعية للسوق المغربية.
خلاصة
يشكّل القانون 013.26 درعًا لحماية الإنتاج الفكري في وجه تحديات العصر الرقمي، وهو مكسب لا يُنكَر لفائدة المبدعين وصنّاع المحتوى. غير أنّ المعركة ضد القرصنة لن تُحسَم بالردع وحده، بل بجعل الولوج القانوني حقًّا في المتناول لا امتيازًا للقادرين. وبين حماية المؤلف وحقّ المستهلك في الولوج العادل، يبقى التوازن هو الرهان الحقيقي لنجاح هذا الإصلاح.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!