حين يتحوّل السؤال إلى جُرح: توصيات للأساتذة في استقبال التلاميذ مطلع الموسم الدراسي
مع كل دخول مدرسي، تُفتح أبواب الأقسام على وجوهٍ صغيرة تحمل خليطاً من الفرح والرهبة. وفي الحصص الأولى، يسعى بعض الأساتذة إلى كسر الجليد والتعرّف على تلاميذهم، وهي نية طيبة في أصلها. غير أنّ الطريقة التي تُطرح بها بعض الأسئلة قد تُحوّل لحظة الاستقبال إلى موقف مؤلم يحفر أثره في نفس الطفل لسنوات.
حين يصير التعارف امتحاناً في الكرامة
“أين يعمل والدك؟”، “ماذا تعمل أمك؟”، “لماذا لم تُحضر الكتب والأدوات؟”، “أين محفظتك الجديدة؟”… أسئلة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها حين تُطرح أمام القسم كله وبنبرة فَجّة، تتحول إلى مِجهرٍ يكشف للجميع الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة.
التلميذ الذي يعمل أبوه في مهنة بسيطة، أو الذي لم تسمح ظروف عائلته بشراء اللوازم في وقتها، يجد نفسه فجأة عارياً أمام أقرانه. لا يملك جواباً يُنقذه من الإحراج، فيلوذ بالصمت أو الكذب أو الانكماش. وقد تكون تلك اللحظة بداية علاقته المتوترة مع المدرسة برمّتها.
البُعد النفسي والتربوي
يُجمع المختصون في علم النفس التربوي على أنّ مرحلة الطفولة والمراهقة شديدة الحساسية تجاه نظرة الآخرين. والإحراج العلني أمام المجموعة يترك ندوباً قد تتجاوز أثره المؤقت إلى فقدان الثقة بالنفس، والخوف من المشاركة، وأحياناً كره المدرسة والانقطاع المبكر عنها.
كما أنّ ربط قيمة التلميذ بمهنة والديه أو بقدرته على شراء الأدوات، يُرسّخ في ذهنه معادلة ظالمة: أنّ مكانته رهينة بما يملك، لا بما يستطيع أن يكون. وهذا يتناقض مع جوهر الرسالة التربوية التي يُفترض أن تُساوي بين الجميع.
توصيات عملية للأساتذة
أولاً: اجعل التعارف جماعياً لا استجواباً فردياً. بدل توجيه الأسئلة إلى تلميذ بعينه أمام الجميع، يمكن اعتماد أنشطة جماعية للتعارف تُبرز اهتمامات التلاميذ وهواياتهم لا أوضاعهم المادية.
ثانياً: تجنّب الأسئلة التي تكشف الوضع الاجتماعي. الاستفسار عن مهنة الوالدين أو دخل الأسرة ليس ضرورياً لبناء علاقة تربوية سليمة. وإن اقتضت الحاجة معلومات إدارية، فمكانها الاستمارات الخاصة لا الحوار العلني.
ثالثاً: عالِج نقص الأدوات بسرية واحترام. حين يفتقر تلميذ إلى كتاب أو لوازم، ينبغي التحدّث إليه على انفراد وبلطف، والبحث عن حلول (كتب الجمعيات، التضامن بين التلاميذ، مبادرات المؤسسة) بعيداً عن أعين القسم وأحكامه.
رابعاً: انتبه إلى نبرة الصوت وتعابير الوجه. أحياناً لا يكون السؤال نفسه هو الجارح، بل الطريقة الفَجّة التي يُطرح بها. الكلمة اللينة تفتح القلوب، والنبرة القاسية تُغلقها.
خامساً: اعتبر كل تلميذ حالة قائمة بذاتها. خلف كل طفل قصة قد لا نعرفها: يُتم، طلاق، فقر، مرض في العائلة. حسن الظن والرفق هما القاعدة، لا الحكم المسبق.
سادساً: حوّل القسم إلى فضاء آمن. حين يشعر التلميذ أنّ أستاذه حليف لا خصم، وأنّ القسم مكان يُحترم فيه بصرف النظر عن ظروفه، تتفتح طاقاته ويُقبل على التعلّم.
خلاصة
إنّ المدرسة ليست فقط مكاناً لنقل المعارف، بل هي أول تجربة اجتماعية حقيقية يخوضها الطفل خارج بيته. والأستاذ، بحكم موقعه، يملك قدرة هائلة على أن يجعل من هذه التجربة جسراً نحو الثقة أو حاجزاً نحو الانكسار.
كلمة واحدة قد تُشعل في تلميذ شغف التعلّم مدى الحياة، وسؤال واحد فَجّ قد يُطفئ فيه هذا الشغف إلى الأبد. فلنختر، نحن الكبار، أن نكون في صفّ كرامة أطفالنا.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!