للحديث بقية
باب ما جاء في الوحدة
شكري البكري
الوحدة ليست عزلة، ولا اعتزالا.
العزلة جغرافيا، والاعتزال قرار. إما اضطراراً، كأن يقعدك المرض أو النفور من رداءة وضآلة الآخرين؛
وإما اختيارا، كأن تعتزل البشر والحجر في منطقة نائية منقطعة؛
أو كأن تحجم عن الخروج من شرفتك الخاصة وتبعث الجميع إلى الجحيم؛
وسواء كانت اختياراً أم اضطراراً، فإن العزلة لا تكون إلا عن امتلاء.
أما الوحدة، فسيكولوجية نفسية، وجودية، وقهرية. ولذلك فقد تصبح مرضاً نفسياً؛ كأن تكون وحيداً وسط العائلة والأصدقاء؛
وكأن تدعو النوارس إلى المزيد من الزعيق حتى يرتفع ضجيجها على صوت نزيفك الخاص؛
أو كأن تناجي سرب حمام في ساحة عمومية غاصة بالسياح.
أو كأن ترحل بحثاً عن البلسم في مدينة لا تعرف لغتها وأهلها، ولا تستطيع التفكير في شيء آخر غيرَ امرأة ظننت أنها الحب الأخير.
أن تذهب إلى متحف رافاييل ألبيرتي في قادس وتختنق، أو منزل لوركا في غرناطة ولا تتذكر سوى أن يد السماء قتلته فأطال شَعره "بصحبة الشجرة المبتورة التي لا تغنّي (...)
والحيوانات الصغيرة ذات الرأس المحطوم،
والمياه الرثة والأقدام الجافة.
بصحبة كل ما يغشاه التعب الأصم الأبكم،
وفراشة غرقت في المحبرة".
أن تشعر بالملل من الفرح المنبثق عن البُزُقِ في ساحات ومطاعم أثينا، وأن تستمع لموسيقى اللايكو والريبيتيكو ولا تشعرَ سوى بالفقد -فقدِك الخاص- بدل الانصهار مع الوجود والفرح وصخب الأسطورة؛
أو أن تفر من خيباتك والخيانات إلى قاطرات لشبونة الكهربائية وجولات التوك توك السياحية، فتحن إلى موسيقى الفادو، لكنك سرعان ما تكتشف أن كل أصناف الموسيقى لا تبعث فيك سوى الأشباح وقففِ الخيبات والعذابات والخيانات والمدن المهجورة؛
أو أن تجالس بيسوا في مقعده، أمام مقهاه التاريخي (برازيليا)، وتشعرَ أنك أكثر وحدة من هذا التمثال النحيف، والبارد الجامد. تفكر أنه سعيد بالضحكات من حولِه، ورغبة الغادين والرائحين في التقاط صورة تذكراية في الكرسي الفارغ إلى جانبه، فتزداد وحدتك قسوة، ويزداد حنينك إلى نفسك حدةً وشراسة.
تسأله عن تلك الوحدة التي قال يوما إنها تحمل في داخلك عوالم لا يمكن شرحها، والتي تصبح أثقل أشكال العزلة. فلا يجيبك، وكأنه لم يقل ذلك قط.
تفر من صمت بيسوا، وتتذكر الكائن الذي لا تحتمل خفته لميلان كونديرا، كما تتذكر أن جبران خليل جبران لم يطلب الوحدة للصلاة والتأمل في الذات والكون، بل هرباً من الناس وشرائعهم وتعاليمهم وتقاليدهم وأفكارهم وضجيجهم وعويلهم وزعيقهم.
وهروباً من هذا الضجيج والعويل والزعيق والأشباح والخيبات وعناوين الخيانة، تدعو النوارس إلى المزيد من الزعيق حتى يرتفع ضجيجها على صوت نزيفك الخاص. لكنه لا يرتفع، وتعود إلى مناجاة أسراب الحمام في الساحات العمومية.
وهروبا من الأقدام الجافة والمياه الرثة، يغشاك "التعب الأصم الأبكم"،
وتشعر أنك "فراشة غرقت في المحبرة".
أية محبرة هو هذا العالم المؤثث بالكذب والخيانة والنفاق وغدر ذوي القربى؟
وللمحبرة بقية ما دامت الدناءة باقية.
وللحديث بقية، ما دام في العمر بقية...

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!