للحديث بقية - بعض ما جاء في باب الحب

للحديث بقية - بعض ما جاء في باب الحب

للحديث بقية

بعض ما جاء في باب الحب

شكري البكري

حديثنا اليوم عن الحب...

قد تعقب بالقول إنه إحساس جارف وتجاذب بين العقل والقلب.

وأتساءل: عن أي عقل وأي قلب نتحدث؟ هل الخلايا والمضخة؟

وقد تعقب بالقول إنه شعور إنساني؟

وأتساءل: هل غريزي أم حاجة وجودية؟

وقد تعقب بأنه لقاء روحين في عوالم موازية، مثلما قال ابن حزم.

وأتساءل: هل تكفي العوالم الموازية للقاء روحين؟

وقد تغيظك استفهاماتي، فأعقّب: الحب وهم، مثل الحياة والسعادة وغيرِها من الهلاميات الزائلة.

يَخال لنا أننا نحب، فنحبّ مراراً، ولا نكذب في أي مرة من تلك (المِرار).

وقد تقول إن الحب أمان، لكن الأمان وهم أيضاً عزيزي يخلقه العقل الباطن لتسكين التوتر الوجودي، الحقيقي، العميق.

تحكم النسبية الحب مثلما تحكم السعادة والأمان الحياة.

والنسبية زمان ومكان. ترجمها الفيزيائيون بالزمكان.

لكن أينشتاين، صاحب النسبية، كان أبسط عندما أوضح بأن النسبية تصبح بين يديك عندما تجلس إلى من تحب ساعتين فتخالها دقيقتين، وعندما تجلس إلى من لا تودّ دقيقة واحدة فتخالها دهراً من الزمان.

إنها من الطرائف. ولا يهمّ إن كان أينشتاين من قالها، غير أنها توجز بحقٍّ نظريةَ النسبية.

لكن السؤال الأحقّ: هل يخضع الحب للزمان والمكان، بله للظروف والمواضعات؟

اليقين هو أنه ما دام المحبوب يتغير فإننا لم نحبّ بعد.

قال أحدهم إن الحب تعويض وبحث للمحب عما يفتقده في ذاته في ذات المحبوب.

لكن المحب لن يكون محباً ما دام ينتظر من الآخر شيئاً آخر غير الحب.

والسؤال: ما ماهية الحب في مجتمعاتنا المعاصرة؟

كيف يرتقي الحب للخلود والتعريف الأوحد في حب الآخر وليس حبَّ الأنا؟

نتحدث عن الحب المعرّف الذي يُستهل رسمه في اللغات اللاتينية بحرف التاج، ونترجمه في العربية بالحب الخالد، لأن لغتنا لا تتوفر على حروف التاج. الحب غير المجرور وغير المتكرر.

قد تكون اللغة العربية قاصرةً بافتقادها لحرف التاج، لكنها تزخر في المقابل بمرادفات تغني عن معنى هذا الحرف في الرسم اللاتيني. فللحب خمسون مرادفاً على الأقل تعبّر عن درجاته ومراتبه ورتبه ونياشينه. ونقرأ في تفصيل الثعالبي أن "أول مراتب الحب الهوى"، وآخرَها الهُيومُ وهي "ن يذهب المحب على وجهه لغلبة الهوى عليه، ومنه قولنا: هائم على وجهه.

لم يعد أحد اليوم يهيم على وجهه ولا على قفاه، لكننا نفهم لماذا قال شوبنهاور إن الحب قد يكون الخديعة الكبرى.

وللحديث بقية ما دام في العمر بقية…

بقلم:

شكري البكري

الأستاذ شكري البكري هو إعلامي، كاتب، وشاعر مغربي بارز، ويعد من القامات الإذاعية المرجعية في المشهد الإعلامي العربي والوطني، حيث ارتبط صوته وأسلوبه الرصين لسنوات طويلة بأثير إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية (ميدي 1 - Medi 1). ارتبط اسم الأستاذ شكري البكري بتقديم وإعداد برامج ثقافية وفكرية رصينة حظيت بمتابعة واسعة في المغرب والعالم العربي، لعل من أبرزها برنامج "بين السطور"، وبرنامج "كتاب المقالة"، بالإضافة إلى مساهمته في تقديم المجلات الإخبارية والتحليلية السياسية...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك