لماذا يتراجع الإقبال على الزواج بالمغرب؟
لم يعد الزواج بالنسبة إلى كثير من الشباب المغربي مجرد خطوة طبيعية تأتي بعد بلوغ سن معينة، بل أصبح قراراً تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية والتطلعات الشخصية والأسئلة المتعلقة بالاستقرار والمسؤولية. وبين مجتمع ما زال يمنح الأسرة مكانة مركزية، وواقع تتزايد فيه تكاليف المعيشة وتتغير فيه أنماط الحياة، تتبدل علاقة الشباب بالزواج، لا بالضرورة لأنهم تخلوا عن فكرة الارتباط، وإنما لأن شروط تحقيقه أصبحت أكثر تعقيداً لدى فئات منهم.
فالزواج، في جوهره، ليس مجرد عقد أو حفل، بل مشروع حياة يحتاج إلى حد أدنى من الأمان المادي والنفسي، وإلى استعداد لتحمل المسؤولية المشتركة.
أرقام تكشف تغير المشهد
وفق مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط، انخفض عدد عقود الزواج المسجلة في المغرب من نحو 249.1 ألف عقد سنة 2023 إلى 239.3 ألفاً سنة 2024، أي بتراجع يقارب 3.9%.
وتشير معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 إلى أن متوسط سن الزواج الأول بلغ 32.4 سنة لدى الرجال و24.6 سنة لدى النساء. ويكشف هذا الفارق عن اختلاف مسارات الزواج بين الجنسين، كما يعكس استمرار عوامل اجتماعية واقتصادية تؤثر في توقيت الارتباط.
وتبرز الأرقام أيضاً تغيراً في بعض أنماط الزواج؛ فقد تراجع عدد زيجات القاصرين المسجلة من نحو 12.45 ألف حالة سنة 2023 إلى حوالي 8.96 آلاف سنة 2024.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تراجع عدد عقود الزواج في سنة معينة وبين تراجع الرغبة في الزواج بصورة عامة؛ فالأرقام الإدارية تقيس العقود المسجلة، ولا تكشف وحدها جميع الدوافع النفسية والاجتماعية وراء قرارات الأفراد.
العامل الاقتصادي.. حين يصبح تأسيس الأسرة مشروعاً مكلفاً
يأتي العامل الاقتصادي في مقدمة التفسيرات المحتملة لتأخر الزواج لدى فئات من الشباب. فالحصول على عمل مستقر، وتوفير السكن، وتغطية مصاريف الحياة اليومية، ثم التفكير في تربية الأطفال، كلها التزامات تجعل بعض الشباب يشعرون بأن الزواج يحتاج إلى موارد تفوق إمكاناتهم الحالية.
ولا يتعلق الأمر دائماً بالعجز عن دفع تكاليف حفل الزواج، بل بالخوف من الدخول في حياة مشتركة من دون دخل منتظم أو سكن مناسب أو قدرة على مواجهة الطوارئ.
وفي بعض الحالات، تتوسع قائمة الشروط الاجتماعية المرتبطة بالزواج لتشمل تجهيزات ومظاهر احتفالية ومطالب مادية قد تتجاوز الإمكانات الفعلية للطرفين. وهكذا يتحول الزواج من مشروع لبناء الاستقرار إلى اختبار للقدرة المالية.
إلى جانب الاقتصاد، تغيرت نظرة كثير من الشباب إلى الحياة الفردية والمهنية. فهناك من يرغب في إكمال الدراسة أو بناء مسار مهني قبل الارتباط، وهناك من يفضّل تحقيق استقلاله المادي أولاً، فيما يخشى آخرون من تكرار تجارب أسرية مؤلمة عاشوها داخل محيطهم.
كما ساهمت التحولات الثقافية والرقمية في توسيع التصورات المتعلقة بالعلاقات والأدوار داخل الأسرة. وأصبح بعض الشباب أكثر اهتماماً بالتوافق النفسي وتقاسم المسؤوليات واحترام الاختيارات الشخصية، بدل الاكتفاء بفكرة الزواج باعتباره واجباً اجتماعياً ينبغي تحقيقه في سن محددة.
وهذا التحول لا يعني أن الاستقلال الشخصي يتعارض بالضرورة مع الزواج، بل قد يعكس رغبة في تأسيس علاقة أكثر وعياً واستعداداً.
تؤثر أيضاً المخاوف المرتبطة بالخلافات الزوجية والطلاق والمسؤوليات الطويلة الأمد في قرارات بعض الأفراد. فحين يرى الشاب نماذج من العلاقات التي انتهت بصراعات مستمرة، قد يصبح أكثر حذراً في اختيار الشريك أو أكثر ميلاً إلى تأجيل القرار.
لكن من المهم عدم تفسير كل تأخر في الزواج بالخوف من الطلاق، كما لا ينبغي اعتبار العزوف عنه موقفاً موحداً لدى جميع الشباب. فالدوافع تختلف بين المدن والقرى، وبين الفئات الاجتماعية، كما تختلف من شخص إلى آخر.
ما الحلول الممكنة؟
لا يمكن تشجيع الزواج بخطاب الوعظ وحده، ولا بإلقاء المسؤولية على الشباب أو الأسر. فالمقاربة الأكثر واقعية تبدأ بتحسين فرص الشغل، وتوسيع إمكانات السكن الملائم، وتعزيز التكوين حول المسؤولية الأسرية والتواصل وحل النزاعات.
كما أن تخفيف تكاليف الزواج، وتشجيع الأسر على الابتعاد عن المبالغة في المظاهر، وتوفير فضاءات للاستشارة الأسرية قبل الزواج وبعده، يمكن أن يساعد في بناء علاقات أكثر استقراراً.
ومن الضروري أيضاً تعزيز ثقافة تقوم على التفاهم وتقاسم الأدوار، وتمنح الطرفين الحق في اختيار شريكهما عن قناعة، بعيداً عن الضغط الاجتماعي أو المقارنة بالآخرين.
إن تراجع عدد عقود الزواج ليس مجرد رقم في تقرير إحصائي، بل مؤشر يستحق قراءة عميقة للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
فحين يتأخر الزواج، لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد: لماذا لم يتزوج الشباب بعد؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: هل تتوفر لديهم الشروط التي تجعلهم قادرين على بناء أسرة مستقرة؟
فالزواج لا يحتاج إلى الرغبة وحدها، بل إلى بيئة تساعد على تحويل هذه الرغبة إلى مشروع ممكن، وإلى علاقة يكون فيها الاستقرار نتيجة للتفاهم والمسؤولية، لا ثمرة للضغط والخوف من كلام الناس.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!