لماذا ينتقد الجمهور ما يواصل مشاهدته؟

لماذا ينتقد الجمهور ما يواصل مشاهدته؟

محتوى بلا قيمة يتصدر المشاهدات.. لماذا ينتقد الجمهور ما يواصل مشاهدته؟

في زمن أصبحت فيه المشاهدات عملة رقمية، لم يعد السؤال الأساسي لدى بعض صناع المحتوى هو: ماذا سأقدم للجمهور؟ بل أصبح: ما الذي سيجعل الجمهور يتوقف أمام الفيديو، ولو لبضع ثوانٍ؟

وسط هذا التحول، تتسع مساحة المحتويات التي تعتمد على الإثارة والخلافات الشخصية والمبالغة والفضائح، مقابل محتويات معرفية وثقافية وتربوية تحتاج إلى وقت وجهد حتى تجد جمهورها. والمفارقة أن بعض هذه المواد يثير انتقادات واسعة، لكنه يواصل حصد المشاهدات والتفاعلات.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لمحتوى يعلن كثيرون رفضهم له أن يستمر في الانتشار؟ وهل تعكس المشاهدات إعجاب الجمهور، أم أنها تكشف أحياناً عن فضوله أو غضبه أو حتى رغبته في معرفة ما ينتقده الآخرون؟

وتظهر بيانات تقرير سنة 2025 أن 78% من المشاركين في العينة المغربية التي شملها البحث يحصلون على الأخبار عبر الإنترنت، فيما جاءت منصتا يوتيوب وفيسبوك ضمن أبرز المنصات المستخدمة للحصول على الأخبار. كما عبّر 54% من أفراد العينة عن قلقهم بشأن قدرتهم على التمييز بين الأخبار الحقيقية والمضللة على الإنترنت. 

وهذه الأرقام لا تعني أن غالبية المحتوى الرقمي رديء، ولا أن جميع المستخدمين يتابعون المحتوى نفسه، لكنها تبرز اتساع البيئة التي تتنافس داخلها الأخبار الجادة والمحتويات الترفيهية والمواد المثيرة للجدل والمعلومات غير الدقيقة.

كما أن بعض المنصات تعتمد أنظمة توصية تستفيد من مؤشرات التفاعل، مثل المشاهدات ومدة المشاهدة والمشاركات والتعليقات. وقد يؤدي ذلك إلى منح مزيد من الظهور لمواد تثير ردود فعل قوية، حتى عندما لا تكون الأكثر فائدة أو جودة.

وتدعم أبحاث منشورة في المجال العلمي هذا القلق؛ إذ وجدت دراسة حول أنظمة ترتيب المحتوى في وسائل التواصل أن بعض الخوارزميات المعتمدة على التفاعل قد تزيد ظهور المواد المشحونة عاطفياً أو المثيرة للانقسام. غير أن ذلك لا يعني أن الخوارزميات وحدها مسؤولة عن انتشار كل محتوى ضعيف، لأن اختيارات الجمهور واستراتيجيات صناع المحتوى تلعب دوراً أيضاً. 

لماذا ينتقد الجمهور المحتوى ثم يواصل مشاهدته؟

ومن المهم هنا التمييز بين المشاهدة والإعجاب؛ فعدد المشاهدات لا يكشف وحده موقف الجمهور الحقيقي، كما أن كثرة التعليقات لا تعني بالضرورة الرضا عن المادة المنشورة.

وقد ينشأ عن ذلك وضع يستفيد فيه صانع المحتوى من الانتقادات التي توجه إليه، لأن كل مشاركة أو إعادة نشر أو تعليق إضافي قد يوسع دائرة وصوله، وفق آليات المنصة وطبيعة التفاعل.

وهكذا يمكن أن يصبح الرفض الجماعي جزءاً من دورة انتشار المحتوى بدلاً من أن يؤدي تلقائياً إلى اختفائه.

أول المخاطر هو تطبيع السلوكيات السلبية؛ فالتكرار المستمر قد يجعل بعض التصرفات التي كانت مرفوضة تبدو عادية أو مقبولة، خصوصاً لدى الفئات الأصغر سناً التي لا تزال تبني تصوراتها عن العلاقات والنجاح والمكانة الاجتماعية.

أما الخطر الثاني فيتمثل في تراجع جودة النقاش العام، عندما تتحول القضايا الاجتماعية إلى مشاحنات شخصية، وتصبح الإهانة وسيلة للفت الانتباه، ويُختزل الاختلاف في صراع بين الأشخاص بدل مناقشة الأفكار.

وثمة خطر آخر يتعلق بانتشار المعلومات غير الدقيقة، خصوصاً عندما تُقدَّم الادعاءات على أنها حقائق، أو تُقتطع التصريحات من سياقها، أو تُنشر تفاصيل الحياة الخاصة دون مراعاة للخصوصية والكرامة.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من الادعاء بأن مشاهدة المحتوى التافه تؤدي حتماً إلى ضعف الذكاء أو تدمير التفكير. فالتأثيرات تختلف بحسب العمر وطبيعة المحتوى ومدة التعرض والسياق الذي تتم فيه المشاهدة، وتحتاج الأحكام القاطعة إلى أدلة علمية مناسبة.

هل المسؤولية تقع على صانع المحتوى وحده؟

من السهل تحميل صانع المحتوى كامل المسؤولية، لكن الظاهرة لا تنفصل عن البيئة الرقمية التي تكافئ الوصول والتفاعل، ولا عن الجمهور الذي يشارك في تحديد ما يلقى الاهتمام.

فصانع المحتوى مسؤول عن احترام كرامة الأشخاص ودقة المعلومات والابتعاد عن التضليل والاستغلال. والمنصات مسؤولة عن شفافية أنظمة التوصية والتعامل مع المحتويات الضارة وفق قواعد واضحة. أما الجمهور، فيملك بدوره قدرة على التأثير من خلال اختيارات المشاهدة والمشاركة والإبلاغ عن الانتهاكات.

وتتحمل المؤسسات الإعلامية والتعليمية مسؤولية تعزيز التربية الإعلامية، ومساعدة المستخدمين على التمييز بين الخبر والرأي والإشاعة، وبين النقد المشروع والتشهير.

لا يكفي أن نطالب الجمهور بمقاطعة المحتوى الضعيف، بل ينبغي جعل البديل الجيد أكثر قدرة على الوصول إليه. ويمكن تحقيق ذلك عبر:

دعم صناع المحتوى الذين يقدمون المعرفة والثقافة والتحليل بأساليب جذابة ومبسطة.

تشجيع المؤسسات الإعلامية على إنتاج فيديوهات قصيرة تجمع بين الدقة والإبداع.

تعزيز التربية الإعلامية داخل المدارس والجامعات، حتى يتعلم الشباب تقييم المعلومات ومصادرها.

مطالبة المنصات بمزيد من الشفافية بشأن آليات التوصية وتحقيق الدخل من المحتوى.

تشجيع الجمهور على عدم تحويل المواد المسيئة إلى ظواهر واسعة الانتشار عبر إعادة نشرها باستمرار.

دعم المبادرات التي تكافئ الجودة والأصالة والفائدة، لا مجرد عدد المشاهدات.

فالمحتوى الهادف ليس بالضرورة طويلاً أو جاداً بصورة مفرطة؛ يمكنه أن يكون خفيفاً وممتعاً، شريطة ألا يقوم على التضليل أو الإهانة أو استغلال خصوصية الآخرين.

لعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس لماذا ينتشر المحتوى غير الهادف فقط، بل ما الذي تكشفه طريقة انتشاره عن علاقتنا بالانتباه والفضول والتأثير الاجتماعي؟

ففي العالم الرقمي، لم تعد المشاهدات مجرد أرقام على الشاشة، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد يكافئ ما يجذب الانتباه. وإذا كان الجمهور يرفض بعض المحتويات بالكلام، لكنه يواصل منحها المشاهدة والمشاركة، فإن التغيير يحتاج إلى وعي يتجاوز الانتقاد إلى مراجعة السلوك الرقمي نفسه.

فالمحتوى لا يصنعه صاحبه وحده؛ إنه يتشكل أيضاً من اختيارات من يشاهدونه، ومن القواعد التي تنظم انتشاره، ومن القيم التي يقرر المجتمع مكافأتها.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: هل ما زلنا نستهلك المحتوى الذي نريده؟ بل: هل أصبحنا نستهلك ما يجذب انتباهنا فقط، حتى عندما لا يضيف شيئاً إلى وعينا؟

طنجة الأخبار
بقلم:

طنجة الأخبار

طنجة الأخبار طنجة الأخبار جريدة إلكترونية مغربية و موقع إخباري شامل ومستقل، تعرفوا على آخر الأخبار من المغرب والعالم عبر موقعنا

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك