ليس السؤال كم دخلوا… بل كم حاولوا ومن هم؟
حين يصير باب سبتة مرآةَ فشل الحكومة
لنتوقّف عن الجدال حول الرقم. السؤال الحقيقي ليس كم مهاجراً دخل سبتة اليوم، بل كم حاول، ومن حاول؟ شبابٌ وشاباتٌ في ريعان العمر، وعائلاتٌ بكاملها، وأطفالٌ، وأمهاتٌ يحملن رُضّعهنّ في اتجاه الموج. لقد تدخّلت البحرية الملكية هذا الأسبوع لإنقاذ امرأة كانت تحاول العبور سباحةً رفقة أطفالها الثلاثة، في مشهدٍ يؤكد أن الموجة لم تعد موجة شبابٍ فحسب، بل صارت تشمل النساء والأسر بأكملها. حين يُغامر أبٌ بطفله الرضيع في مياهٍ باردةٍ عميقة، فالسؤال الذي يجب أن يُسقط النوم عن أعين الحكومة هو: إلى هذا الحدّ وصل فقدان الأمل في المغرب؟
هذا أمرٌ لا يمكن السكوت عنه، ولا المرور عليه مرور الكرام. لسنا أمام "ظاهرة موسمية" تُدار ببلاغٍ أمني، بل أمام استفتاءٍ شعبيٍّ صامتٍ على الفشل، صوّت فيه الآلاف بأجسادهم. ومن يُصوّت هكذا لا يُحاسَب؛ من يجب أن يُحاسَب هو الحكومة كلّها، من رأسها إلى آخر وزير في صفّها، لأن ما جرى ليس قضاءً وقدراً، بل نتيجةً مباشرة لسياساتٍ صنعت اليأس ثم استغربت الهروب.
ما جرى اليوم في باب سبتة كان كارثياً بكل المقاييس. عاش معبر تاراخال صباح اليوم الخميس مشاهد وصفها الإعلام الإسباني بـ"غير المسبوقة"، بعدما كسر مئات المهاجرين الطوق الأمني وفرّوا جماعياً نحو أحياء المدينة. بدأت الموجة عند الفجر سباحةً حول الحاجز البحري، واحتُوِيت نسبياً حوالي التاسعة والنصف، ثم انفجرت مجدداً قرابة العاشرة والنصف بموجةٍ أضخم انهارت أمامها المنظومة الأمنية، وفرّ الرجال والنساء والأطفال في كل اتجاه. وفي موازاة ذلك، تتواصل المأساة: جثّتان انتُشلتا اليوم، وأكثر من 300 شخص أُنقذوا، فيما بلغ عدد الغرقى منذ بداية العام 29 جثة، عشرٌ منها في يوليوز وحده. بل تتوسّع قوائم المفقودين، مع إعلان أسرٍ جديدة فقدان الاتصال بأبنائها بعد محاولتهم العبور. هذه ليست أرقاماً؛ إنها عائلاتٌ مدمّرة وأمهاتٌ تنتظر خبراً لن يأتي.
وهنا تنفجر المفارقة الأكثر قسوة. هذا هو المغرب نفسه الذي يُحتفى به بوصفه أرض كأس العالم 2030. البلد الذي مُنح شرف تنظيم المونديال إلى جانب إسبانيا والبرتغال، ويستعدّ لبناء أكبر ملعبٍ في العالم عبر سبع مدنٍ مضيفة من بينها طنجة. بلدٌ قدّرت وكالة "فيتش" كلفة مشاريعه المرتبطة بالمونديال بنحو 20 مليار دولار، أي ما يعادل 12% من ناتجه الداخلي. عشرون مليار دولار للملاعب والطرق، بينما أبناء الشعب نفسه يسبحون نحو الموت من شواطئ الفنيدق. والأنكى: نُنظّم المونديال مع إسبانيا التي يغرق فتياننا وهم يحاولون بلوغ ثغرها المحتل. أيّ مغربٍ هذا الذي يُشيّد أكبر ملاعب الأرض، وسكانه يُشيّدون أحلامهم على متن قطعة فلّينٍ في عرض البحر؟
قد تقول الحكومة: لدينا حصيلة. حسناً، لنعرضها كما تعرضها هي، ثم لنُسقطها بأرقامها. يقول أخنوش إن الدولة الاجتماعية «ليست شعارات، بل قرارات ملموسة»، ويعدّد نحو 4 ملايين مستفيدٍ جديد من التغطية الصحية، ودعماً مباشراً بين 500 و1350 درهماً لملايين الأسر، وهدفاً بمليون منصب شغل في أفق 2026. أرقامٌ لامعة على الورق. لكنها تنهار عند أول اختبار:
فأمّا "تراجع البطالة" من 13,3% إلى 13%، فخدعةٌ حسابية، لأن عدد العاطلين ارتفع فعلياً من مليون و437 ألفاً إلى مليون و623 ألفاً — مئتا ألف عاطل إضافي — وتراجع نشاط النساء إلى 19% بدل الوعد برفعه إلى 30%. المعدّل "تحسّن" لأن اليائسين غادروا سوق الشغل، لا لأنهم وجدوا عملاً. وفي صفوف من سبحوا اليوم بالذات، تبلغ بطالة الشباب 37,2% وحاملي الشهادات 19,1%.
وأمّا "فرصة"، طوق النجاة الموعود، فصارت فخّاً: قرابة 16 ألف مشروع من أصل 21 ألفاً متوقفة أو متعثّرة، ومستفيدون كثرٌ غرقوا في الديون ويواجهون المحاكم. ولم تُفلس وحدها: تضاعفت حالات الإفلاس إلى نحو 52 ألف حالة سنة 2025 مقابل 25 ألفاً سنة 2022.
وأمّا "الثورة الاجتماعية"، فمقياسها الوحيد هو: هل جعلت الناس يبقون؟ الجواب مكتوبٌ على شاطئ تاراخال بأربعة آلاف واصلٍ وتسعٍ وعشرين جثة. وحين تكشف دراسة أن 81% من الشباب يرون في الهجرة غير النظامية حلاً لتحسين حياتهم، فتلك شهادةٌ بأن الإنفاق المُعلن لم يصل إلى قلوب من يُفترض أنه لهم. الإنفاق ليس إنجازاً ما دام لا يوقف النزيف؛ و"المنجَزالاجتماعي" الذي يفرّ منه أبناؤه سباحةً ليس منجزاً، بل اعترافٌ بالفشل.
هذه هي المهزلة بعينها: دولةٌ تبني أكبر ملعبٍ في العالم وتعجز عن أن تبني لشبابها سبباً واحداً للبقاء. حكومةٌ تُجيد عرض الأرقام في الفيديوهات التواصلية، ولا تُجيد الإجابة عن سؤالٍ واحد: لماذا يفرّ هذا الشعب؟ والأدهى من كل ما سبق أن الكارثة وقعت اليوم، بكل ثقلها الإنساني، ولم نسمع بلاغاً حكومياً واحداً يليق بحجمها — لا كلمة تعزية، لا تحمّل مسؤولية، لا محاسبة. الصمت هنا ليس حياداً، بل تواطؤٌ مع الفشل.
إنّ ما جرى في باب سبتة اليوم أكبر من خبر هجرة؛ إنه محضرُ إدانةٍ لحكومةٍ بأكملها. وما لم تُفتح أبواب المحاسبة — لا أبواب البحر — فسيبقى السؤال معلّقاً في وجه الجميع: أهذا هو المغرب الذي نحتفي به؟ مغربٌ ملاعبُه جاهزة لاستقبال العالم، وأبناؤه يفرّون منه سباحةً نحو المجهول.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!