في الأنظمة السياسية، كما في الشركات والإدارات، يخطئ كثيرون حين يقيسون السلطة بحجم المنصب وفخامة اللقب. يظنون أن من يتصدّر الصورة الرسمية هو من يصنع القرار، وأن من يوقّع على المراسيم هو من كتبها. والحقيقة أن الحكم في كثير من الأحيان لا يسكن المكاتب الكبرى، بل يتحرك في الممرات القريبة منها، في الدائرة الضيقة التي تحيط بصاحب القرار الفعلي، حيث تُقال الكلمة الأخيرة قبل أن تُعلن الكلمة الأولى.
المنصب واجهة، والقرب سلطة
قد يحمل المسؤول حقيبة ثقيلة الاسم، ويترأس اجتماعات ويُستقبل بالتشريفات، ثم يكتشف أن الملفات الكبرى تُحسم بعيداً عنه، وأن دوره ينحصر في التنفيذ أو التبرير. وفي المقابل، قد يوجد من لا يحمل صفة رسمية لافتة، ولا يظهر اسمه في نشرات الأخبار، لكنه يملك ما هو أثمن من المنصب: أذن الحاكم الفعلي وثقته. هذا الشخص يقترح فيُؤخذ برأيه، ويُستشار فيُرجَّح موقفه، ويُبعد هذا ويقرّب ذاك دون أن يوقّع على ورقة واحدة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي في أي منظومة حكم ليس: من يشغل المنصب؟ بل: من يجالس صاحب القرار؟ ومن يدخل عليه بلا موعد؟ ومن يُرفع إليه الملف أولاً؟ فالقرب من مركز القرار يمنح نفوذاً لا تمنحه المراسيم، لأنه نفوذ يعمل قبل القرار لا بعده.
البرامكة: درس من بغداد العباسية
يقدّم التاريخ الإسلامي مثالاً بليغاً على هذه المعادلة في قصة البرامكة زمن هارون الرشيد. فقد بلغ جعفر بن يحيى البرمكي من النفوذ ما لم يبلغه كثير من أصحاب الألقاب الرسمية في الدولة، لا لأنه كان صاحب أعلى منصب، بل لأنه كان أقرب الناس إلى الخليفة؛ نديمه وصديقه وموضع سرّه، يسهر معه ويرافقه ويُستشار في الصغيرة والكبيرة. كانت الولايات تُسند وتُسحب، والأموال تُصرف، والرجال يُرفعون ويُخفضون، وكثير من ذلك يمرّ عبر هذه الصلة الشخصية قبل أن يمرّ عبر دواوين الدولة.
لقد فهم البرامكة أن السلطة في البلاط لا تُقاس بالمسمّيات، بل بالمسافة التي تفصلك عن الخليفة. ومن كان على بعد خطوة منه كان أقوى ممن يجلس على رأس ديوان كامل.
الوجه الآخر للمعادلة
غير أن قصة البرامكة لا تنتهي عند صعودهم، بل عند سقوطهم المدوّي سنة 187 هـ (803 م)، حين انقلب الرشيد عليهم في ليلة واحدة، فقُتل جعفر وسُجن أبوه وإخوته وصودرت أموالهم. وهنا يكمن الدرس الأعمق: النفوذ القائم على القرب نفوذ هشّ بقدر ما هو واسع، لأنه لا يستند إلى مؤسسة ولا إلى شرعية مستقلة، بل إلى مزاج شخص واحد ورضاه. فإذا تغيّر المزاج أو دخلت الوشاية، انهار كل شيء دون أن يملك صاحبه نصاً يحتمي به أو صفة يدافع بها عن نفسه.
ما الذي يعنيه هذا اليوم؟
في كل دولة، وفي كل زمن، تتكرر الصورة بأشكال مختلفة: مستشارون غير معروفين لدى الرأي العام لكنهم يرسمون التوجهات الكبرى، ومقرّبون بلا صفة تنفيذية لكن كلمتهم مسموعة أكثر من كلمة الوزير، ودوائر ضيقة تتقاطع فيها المصالح والولاءات فتصنع القرار، ثم تُترك للواجهات الرسمية مهمة إعلانه وتحمّل تبعاته أمام الناس.
وهذا ما يجعل المواطن أحياناً يحاسب من لا يملك القرار، ويغفل عمن يملكه فعلاً. فالمسؤول الظاهر يتلقى النقد والمساءلة، بينما يبقى صانع القرار الحقيقي بعيداً عن الضوء، محمياً بغياب الصفة نفسها التي كان يُفترض أن تقيّده.
خلاصة
إن فهم السلطة يقتضي النظر خلف الواجهة، والانتباه إلى من يتحرك قرب المركز لا من يتصدّر المشهد. فالكرسي لا يصنع الحاكم دائماً، والمنصب لا يمنح القرار بالضرورة. لكن التاريخ يذكّرنا أيضاً بأن من يبني نفوذه على القرب وحده، دون مؤسسة تحميه أو شرعية تسنده، يبقى معلّقاً بخيط رفيع؛ وقد رأى البرامكة كيف ينقطع ذلك الخيط في ليلة واحدة.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!