ليلةٌ سوداء أمام باب سبتة

ليلةٌ سوداء أمام باب سبتة

ليلةٌ سوداء أمام باب سبتة.. وصمتٌ حكوميّ يُضاعف الكارثة

بينما كان محيط معبر “باب سبتة” يتحوّل، ليلة الخميس – الجمعة، إلى مسرحٍ لمواجهاتٍ عنيفة بين القوات العمومية ومئات الشبان الذين تجمّعوا في محاولة يائسة لاقتحام الحدود، وبينما كانت خراطيم المياه والحجارة والنيران تُخطّ فصولَ ليلةٍ سوداء على الشريط الحدودي، كان المغربي العادي يبحث عن خبرٍ يطمئنه أو يشرح له ما يجري في بلده.. فلا يجده إلا قادماً من الضفة الأخرى.
الصور جاءتنا من صحيفة “الفارو دي سبتة”، والأرقام جاءتنا من الحرس المدني الإسباني، والتصريحات جاءتنا من رئيس حكومة سبتة الذي طالب حكومته بإعلان “حالة طوارئ وطنية”، والعدسات كانت لوكالة “فرانس بريس”. أما نحن، أصحاب الأرض التي تنطلق منها هذه المآسي، والتي سقط فيها القتلى، والتي احترقت فيها الممتلكات، فلم نسمع من مسؤولٍ حكوميّ واحدٍ كلمةً واحدة. كأنّ الكارثة تقع في بلدٍ آخر، وكأنّ الغرقى ليسوا أبناءنا.


أرقامٌ تنزف والصمت سيّد الموقف


في ظرف أربعٍ وعشرين ساعة فقط، قدّرت وزارة الداخلية الإسبانية أنّ أكثر من أربعين ألف مهاجر عبروا إلى سبتة برّاً وبحراً — رقمٌ يعادل زيادة قرابة النصف في عدد سكان المدينة، ويُصنَّف بين أضخم موجات العبور في تاريخها، وإن ظلّ تقديراً أوّلياً في خبرٍ لا يزال يتطور. وفي المقابل، ارتفعت حصيلة القتلى غرقاً يوم الخميس وحده إلى ثمانية عشر، ضمن نحو ستين ضحية ابتلعهم البحر في الأشهر الأخيرة، بينهم قاصرون. أما محيط الفنيدق فتحوّل، إلى جانب نواحي الناظور المقابلة لمليلية، إلى بؤر توترٍ أُضرمت فيها النيران في السيارات وخُرّبت فيها ممتلكات، في مشاهد فوضى غذّاها اليأس أكثر مما غذّتها أي دعوة.
هذه ليست تفاصيل عابرة. إنها جرحٌ وطنيّ مفتوح. ومع ذلك، لم يخرج وزيرٌ، ولم يعقد ناطقٌ رسميّ باسم الحكومة ندوةً صحفية، ولم يصدر بلاغٌ يشرح للرأي العام حجم ما يجري وأسبابه وسبل معالجته. تُرك الميدان للأجهزة الأمنية وحدها – وهي، إنصافاً، كانت حاضرة على الأرض تُحبط آلاف المحاولات وتُغلق المسالك – بينما غاب المستوى السياسي والتواصلي غياباً تاماً، فبدت الدولة كأنها تُدير ظهرها لمواطنيها في لحظة انكشافٍ لا تحتمل الصمت. وبلغ الأمر أنّ وكالة “رويترز”، حين طلبت تعليقاً من وزارة الداخلية المغربية، لم تتلقَّ أيّ جواب. وفي المقابل، كان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يتوجّه بنفسه إلى سبتة، وتُنشر الجيوش لتعزيز الشرطة، ويتحرّك الاتحاد الأوروبي عبر “فرونتكس”.. فيما ظلّت ضفّتنا بلا صوتٍ يُسمع.


حين يملأ الفراغَ خبرُ الآخرين


في السياسة كما في الإعلام، الفراغ لا يبقى فراغاً؛ فإذا لم تملأه الرواية الرسمية، ملأته روايات الآخرين والشائعات. وهكذا صار المغاربة يستقون تفسير مأساتهم من عناوين الصحف الإسبانية، ويتبادلون الأسئلة: هل لهذا التدفق علاقة بزيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الأخيرة إلى الجزائر؟ وحين أراد مصدرٌ دبلوماسي مغربي أن ينفي هذا الربط، اختار أن ينفيه لوكالة أنباء إسبانية، لا لشعبه ولا لإعلامه الوطني. إنها المفارقة الموجعة: نُخاطَب عبر الوسيط الأجنبي حتى في أشدّ لحظاتنا حساسية.
هذا الصمت ليس حياداً، ولا هو “حكمةٌ في التعامل”. إنه، في جوهره، تنازلٌ عن حق المواطن في المعرفة، وعن واجب الدولة في المصارحة. فالتواصل ليس ترفاً تُمارسه الحكومات حين يحلو لها؛ إنه جزءٌ من التدبير نفسه. وإدارة الأزمة التي تكتفي بالمقاربة الأمنية وتُهمل التفسير والتأطير والطمأنة، هي إدارةٌ ناقصة بالضرورة.


الجرح الأعمق: لماذا يختار شبابنا الموت؟


لكن الكارثة الحقيقية ليست في العبور، ولا حتى في الصمت الذي رافقه، بل في السؤال الذي يتهرّب الجميع من مواجهته: ما الذي يدفع آلاف الشباب المغاربة إلى المجازفة بأرواحهم في بحرٍ لا يرحم، مفضّلين احتمال الغرق على البقاء؟
حين يصبح قطع خمسة كيلومترات سباحةً نحو المجهول أهونَ من انتظار غدٍ في الوطن، فإنّ المشكلة أكبر من موجة هجرة عابرة يُفسّرها ارتفاع الحرارة أو هدوء الأمواج. إنها انفجارٌ لاحتقانٍ اجتماعي واقتصادي متراكم في الشمال، فاقمه توقّف نشاط التهريب المعيشي الذي كان يُطعم عائلاتٍ بأكملها، من دون أن يُقدَّم بديلٌ حقيقي. إنه مرآةٌ تعكس بطالةً بلا أفق، ويأساً بلا نهاية، وثقةً مهزوزة في مؤسساتٍ يشعر المواطن أنها لا تراه إلا حين يتحوّل إلى رقمٍ في نشرة أخبار أجنبية.


المطلوب: مصارحةٌ ومعالجة، لا كتمان


الدولة مدينةٌ لمواطنيها بالحقيقة أولاً: أن تخرج بصوتٍ رسمي واضح يشرح ما جرى، ويُقدّم التعازي لعائلات الضحايا باسم الوطن لا باسم الحرس المدني الإسباني، ويضع الأرقام أمام الرأي العام بشفافية. ثم هي مدينةٌ لهم بما هو أبعد من ذلك: بمعالجةٍ جذرية لأسباب اليأس التي تصنع “الحرّاكة”، وباستراتيجية تنموية حقيقية للشمال لا تكتفي بمطاردة الشباب على الشواطئ.
أما أن نكتفي بالصمت، ونترك الرواية للآخرين، ونتعامل مع موت أبنائنا كأنه شأنٌ إسباني لا يعنينا، فذلك ليس تدبيراً للأزمة.. إنه تخلٍّ عن المسؤولية في أحلك صورها. والليلة السوداء التي عاشها باب سبتة لن تكون الأخيرة، ما دام الجواب الوحيد الذي تُتقنه الجهات المعنية هو الصمت.


صناديقُ البحر.. حين يُصوّت الناس بالرحيل


وفي زمنٍ تُختزل فيه المشاركة السياسية في صناديق الاقتراع، فإنّ ما جرى أمام باب سبتة هو استفتاءٌ صامتٌ من نوعٍ آخر: لقد صوّت آلاف الشباب — وهم الفئة الأوسع في هذا الوطن — بأقدامهم وبأجسادهم في مياه المضيق، صوّتوا بالرحيل. وحين يُفضّل جيلٌ بأكمله ركوبَ الموج على انتظار برنامجٍ حكوميّ أو وعدٍ انتخابيّ، تفقد الصناديق معناها، وتتحوّل الحملات والشعارات إلى ضجيجٍ لا يعني من غادروا في شيء. إنّ هذا الرحيل الجماعي حكمٌ على السياسات قبل أن يكون خبراً في نشرة، وهو أبلغُ من أي ورقة تصويت.
وأمام هذا الحكم، فإنّ أضعف ما يمكن أن تقدّمه الحكومة والأحزاب الثلاثة المكوّنة لأغلبيتها هو أن تشعر بالخجل؛ خجلٍ يقود إلى الاستقالة، وإلى الإحجام عن الترشّح من جديد لولايةٍ لم تُنتج لشبابها سوى قوارب اليأس وسباحة الموت. فمن عجز عن أن يمنح مواطنيه سبباً واحداً للبقاء، لا يملك الشرعية الأخلاقية ليطلب منهم أصواتهم مرة أخرى. لقد أدلى الناس بصوتهم مسبقاً.. من عرض البحر.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك