لا عمل، لا زواج، ولا أفق واضح.. ماذا يحدث للشباب المغربي؟
لم يعد سؤال الشباب المغربي اليوم مرتبطاً فقط بما سيدرسه أو أين سيعمل، بل أصبح في كثير من الحالات سؤالاً أكثر قلقاً: هل سيكون هناك أصلاً مكان له في سوق الشغل، وفي الحياة التي يتخيلها لنفسه؟ فبين بطالة تطيل الانتظار، وفرص عمل غير مستقرة، ورغبة متزايدة لدى بعض الشباب في الهجرة، يبدو أن بناء المستقبل أصبح بالنسبة إلى فئة منهم مشروعاً مؤجلاً أكثر منه مرحلة طبيعية من مراحل الحياة.
أحدث تقرير للمندوبية السامية للتخطيط حول الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون تكويناً مهنياً، يكشف حجم الظاهرة. فبحسب التقرير المنشور في أبريل 2026، يوجد حوالي 2.9 مليون شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة في وضعية «NEET»، أي خارج العمل والتعليم والتكوين، بما يمثل تقريباً شاباً واحداً من كل ثلاثة في هذه الفئة العمرية. كما يشكل النساء نحو 72 في المائة من مجموع هؤلاء الشباب، فيما لا يتوفر حوالي ثلاثة أرباعهم على دبلوم مؤهل.
لكن الرقم الأكثر دلالة ربما يكمن في أن الظاهرة لا تعني بالضرورة البطالة فقط. فوفق تحليل المندوبية، كان 68.1 في المائة من الشباب في وضعية NEET سنة 2023 غير نشطين اقتصادياً، مقابل 31.9 في المائة كانوا عاطلين. ومن بين العاطلين ضمن هذه الفئة، كان حوالي 72.5 في المائة يبحثون عن عمل منذ سنة أو أكثر، وهو ما يكشف أن المشكلة لا تتوقف عند غياب الوظيفة، بل قد تتحول مع مرور الوقت إلى انتظار طويل يستنزف الثقة والطموح.
وفي هذا السياق، لا تبدو الهجرة بالنسبة إلى بعض الشباب مجرد رغبة في السفر واكتشاف العالم، بل قد تصبح في نظرهم محاولة للبحث عن فرصة أخرى للحياة. وأظهرت معطيات حديثة لـ«الباروميتر العربي» أن 35 في المائة من المغاربة الذين شملهم الاستطلاع عبروا عن رغبة في الهجرة، مع تسجيل ميل أكبر لدى الشباب والمتعلمين، بينما برز البحث عن فرص اقتصادية أفضل ضمن دوافع الراغبين في المغادرة.
وفي طنجة تحديداً، تقترب الصورة أكثر من الحياة اليومية للشباب. فقد خلصت دراسة أكاديمية حديثة نشرت في مجلة Comparative Migration Studies إلى أن شباباً من فئات محدودة الدخل بالمدينة تحدثوا عن هشاشة سوق العمل، وضعف الأجور وعدم استقرار الوظائف، وربط بعض المشاركين هذه الظروف بصعوبة تحقيق تطلعاتهم المستقبلية، بما فيها الزواج وتكوين أسرة.
وهنا يصبح الزواج نفسه جزءاً من معادلة اقتصادية واجتماعية أكبر. فبالنسبة إلى شاب لا يملك دخلاً مستقراً، قد لا يكون تأجيل الزواج ناتجاً عن رفض فكرة الأسرة، بقدر ما يكون نتيجة حسابات مرتبطة بالسكن والمصاريف والمسؤولية وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار. وهكذا تتحول سنوات الشباب، التي يفترض أن تكون مرحلة بناء، إلى مرحلة انتظار: انتظار وظيفة، ثم دخل، ثم سكن، ثم قدرة على تأسيس أسرة.
وراء هذه الأرقام توجد قصص لا تظهر في الجداول الإحصائية: شاب أرسل عشرات السير الذاتية ولم يحصل على فرصة، وآخر يعمل بعقد مؤقت لا يعرف متى ينتهي، وثالث يرى أصدقاءه يغادرون بحثاً عن مستقبل أفضل، ورابعة تظل خارج سوق الشغل رغم سنوات الدراسة. وبين هؤلاء جميعاً، يكبر سؤال واحد: ماذا يحدث عندما يصبح الحلم بحياة عادية أصعب مما كان متوقعاً؟
لا تعني هذه المعطيات أن الشباب المغربي فقد الأمل، ولا أن الهجرة أو تأخر الزواج ظواهر سببها الوحيد البطالة. لكنها تكشف أن الانتقال من الدراسة إلى العمل، ومن العمل إلى الاستقرار، ثم إلى تأسيس الأسرة، لم يعد مساراً بسيطاً بالنسبة إلى جزء من الشباب.
المشكلة، في النهاية، ليست فقط في عدد الشباب الذين لا يعملون، وإنما في عدد السنوات التي يمكن أن يقضوها وهم ينتظرون بداية حياتهم. فالشباب لا يحتاج فقط إلى وظيفة، بل إلى إمكانية حقيقية للتخطيط للمستقبل، والشعور بأن العمل يمكن أن يقود إلى الاستقرار، وأن الاستقرار يمكن أن يفتح الباب أمام حياة أسرية واجتماعية طبيعية.
وبينما تتحدث الأرقام عن الملايين، يظل السؤال الإنساني أكبر من الإحصائيات: كم من الأحلام يمكن أن تبقى معلقة قبل أن يتحول الانتظار نفسه إلى أسلوب حياة؟

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!