في هذه الأيام من كل صيف، تتحول طنجة إلى بوابة الوطن الكبرى. آلاف السيارات المرقمة بلوحات فرنسية وبلجيكية وهولندية وإيطالية تنساب عبر ميناء طنجة المتوسط، وصور الاستقبال الرسمي تتصدر النشرات: خيام مؤسسة محمد الخامس للتضامن، الابتسامات، الورود، وخطاب "مغاربة العالم قلب الوطن النابض". لكن خلف هذه الصورة الاحتفالية، ثمة حقيقة اقتصادية أقل رومانسية بكثير: الجالية المغربية تدفع اليوم أغلى فاتورة عبور في تاريخها، في صمت رسمي شبه تام.
أرقام لا تقبل الجدل
لنضع الأمور في نصابها أولاً. تحويلات مغاربة العالم بلغت سنة 2025 رقماً قياسياً تجاوز 122 مليار درهم، بنمو 2,6 في المائة عن سنة 2024. وخلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 وحدها، تجاوزت هذه التحويلات 50 مليار درهم، بارتفاع لافت ناهز 9 في المائة. ستة ملايين مغربي مقيم بالخارج يساهمون بما يعادل نحو 9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ويشكلون أحد أهم مصادر العملة الصعبة التي تمول وارداتنا وتدعم استقرار الدرهم وتغطي جزءاً معتبراً من عجزنا التجاري المتفاقم.
بلغة أوضح: هذه الجالية ليست ضيفاً موسمياً نتفضل عليه بالاستقبال، بل هي ممول صافٍ للاقتصاد الوطني، يضخ فيه سنوياً ما يفوق ميزانيات وزارات بأكملها، دون أن يكلف الدولة درهماً واحداً في التعليم أو الصحة أو التقاعد.
المفارقة: كلما زاد عطاؤهم، ارتفعت فاتورتهم
فماذا يجد هذا الممول الصافي حين يقرر زيارة وطنه؟ يجد أسرة من أربعة أفراد قد تدفع من بروكسل ما يتجاوز 32 ألف درهم ثمناً لتذاكر الذهاب والإياب في ذروة الصيف، أي ما يعادل أشهراً من مدخول أسرة عاملة. ويجد أسعار العبّارات بين الضفتين تلتهب في يونيو ويوليوز وغشت بالذات، أي في الفترة الوحيدة التي تسمح فيها العطل المدرسية لهذه الأسر بالسفر. مرونة الطلب هنا شبه منعدمة، والشركات تعرف ذلك جيداً، فتُسعّر ليس على أساس الكلفة بل على أساس أقصى ما يمكن انتزاعه من جيب مسافر لا يملك بديلاً.
والأدهى أن الحكومة، حين طالبتها المعارضة البرلمانية بالتدخل لتنظيم الأسعار أو تقديم دعم مؤقت على غرار ما حدث خلال الجائحة، ردت بأن ذلك الدعم كان "إجراءً استثنائياً". لكن سابقة صيف 2021 تفضح هذا المنطق: يومها فُرضت تذاكر بـ97 أورو للراكب على رحلات الخطوط الملكية المغربية من أوروبا للأسر المكونة من أربعة أفراد فأكثر. أي أن الدولة قادرة على ضبط الأسعار حين تتوفر الإرادة السياسية، والباقي مجرد ذرائع.
اختلال بنيوي اسمه السيادة البحرية
المشكل أعمق من جشع موسمي. فسوق العبور البحري بين المغرب وأوروبا يهيمن عليه أسطول أجنبي، وقد اعترفت وزارة النقل نفسها بوجود اختلال بين الأسطولين المغربي والأوروبي، متعهدة بإرجاع التوازن "على المدى المتوسط". لكن المدى المتوسط في القاموس الإداري المغربي قد يعني عقداً كاملاً، بينما تُحوَّل أرباح خطوط الذروة، الممولة أساساً من جيوب مغاربة، إلى ميزانيات شركات أجنبية. نحن أمام وضع عبثي: بلد يملك ثاني أكبر ميناء في المتوسط، طنجة المتوسط، ولا يملك أسطولاً وطنياً قادراً على المنافسة في أكثر خطوطه ربحية.
الكلفة الخفية: من يهاجر مرتين لا يعود ثالثة
الاقتصاديون يعرفون أن أخطر الخسائر هي تلك التي لا تظهر في أي ميزانية. كل درهم إضافي يُدفع في التذكرة هو درهم يُقتطع من الإنفاق داخل الاقتصاد المحلي: من مطاعم طنجة وشقق مرتيل وأسواق الشمال. والأخطر على المدى البعيد: الجيل الثاني والثالث من أبناء الجالية، الذين تربطهم بالمغرب علاقة عاطفية لا علاقة ضرورة، بدأوا فعلاً يقارنون. حين تصبح عطلة في إسبانيا أو تركيا أو اليونان أرخص وأقل عناء من زيارة بلد الأجداد، فإن ما نخسره ليس موسماً سياحياً، بل رابطة اقتصادية وهوياتية بُنيت على مدى نصف قرن. وحينها لن تنفع خطب الاستقبال في استرجاع 122 مليار درهم بدأت تبحث عن وجهات أخرى.
ماذا يفعل الآخرون؟
التجارب الدولية أمامنا. تركيا جعلت من خطوطها الجوية أداة سيادية لربط جاليتها في ألمانيا وأوروبا بالوطن، بشبكة رحلات كثيفة وأسعار تنافسية تجعل إسطنبول أقرب إلى برلين من الرباط إلى باريس. الفلبين أنشأت وزارة كاملة لشؤون عمالها بالخارج، تتعامل معهم كقطاع استراتيجي له سياسات نقل وحماية وإدماج، لا كخزان تحويلات. والمكسيك أطلقت منذ التسعينيات برنامج "باييسانو" لتأمين عودة مهاجريها من الولايات المتحدة بتسهيلات جمركية وإدارية ورقابة صارمة على أي استغلال. القاسم المشترك: هذه الدول تتعامل مع جالياتها كأصل استراتيجي يُستثمر فيه، لا كمورد يُستنزف.
خمسة مداخل عملية للإصلاح
أولاً، عقد-برنامج ملزم مع شركات النقل البحري العاملة على خطوط المضيق، يربط الامتيازات المينائية والرسو بسقوف تسعيرية واضحة خلال فترة الذروة، فمن يربح من موانئنا طوال السنة عليه أن يقبل قواعد اللعب في الصيف.
ثانياً، إحالة ملف التسعير الموسمي على خطوط العبور إلى مجلس المنافسة، للتحقيق في وجود ممارسات متوازية أو تعسف في استغلال وضعية هيمنة على سوق لا يملك المستهلك فيه بدائل حقيقية.
ثالثاً، تفعيل "تسعيرة الجالية" على رحلات الخطوط الملكية المغربية خلال يونيو-شتنبر، على غرار سابقة 2021، بتمويل جزئي من رسم رمزي على أرباح موسم الذروة نفسه، لا من المال العام.
رابعاً، تسريع بناء الأسطول البحري الوطني بجدول زمني معلن ومحاسبة سنوية أمام البرلمان، لأن السيادة البحرية على مضيق جبل طارق ليست ترفاً بل ضرورة اقتصادية وجيوستراتيجية.
خامساً، تحويل جزء من علاقة التحويلات إلى علاقة استثمار، عبر شباك موحد حقيقي لمشاريع مغاربة العالم وسندات "دياسبورا" بعائد تفضيلي، حتى لا تبقى مساهمة الجالية مجرد استهلاك موسمي وتحويلات عائلية، بل رأسمالاً منتجاً يخلق الثروة ومناصب الشغل هنا.
خلاصة
عملية مرحبا نجحت لوجستياً بلا شك، والخيام والابتسامات ضرورية. لكن الاقتصاد لا يُدار بالورود. حين يساهم ستة ملايين مغربي بنحو تُسع الناتج الداخلي الإجمالي ثم يُتركون فريسة لتسعير احتكاري موسمي تحت أنظار حكومة "متفرجة"، فإن السؤال لم يعد أخلاقياً فقط، بل اقتصادياً بامتياز: إلى متى سنعامل أهم مستثمر في هذا البلد كزبون مأسور لا خيار له؟ الجواب يجب أن يأتي قبل أن يجيب الجيل القادم من أبناء الجالية بأقدامه... نحو وجهات أخرى.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!