-قراءة أكاديمية في واقع البحث العلمي بالجامعة المغربية-
تمهيد اولي :
أضحى البحث العلمي في القرن الحادي والعشرين المحددَ الرئيس لمكانة الدول في النظام العالمي الجديد، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية أو القدرات العسكرية، بل بمدى امتلاك المعرفة وإنتاجها وتحويلها إلى قيم اقتصادية واجتماعية وثقافية.
وفي هذا السياق، تشكل الجامعة الفضاء المركزي الأساسي لإنتاج المعرفة وتطوير البحث والابتكار.
في المغرب، يُعدّ البحث العلمي رهانًا استراتيجيًا ضمن مشروع التحول نحو اقتصاد المعرفة وفق مجموعة من المرجعيات النؤطرة والموجهة. غير أن حصيلته ما تزال تثير نقاشًا واسعًا بين الفاعلين الأكاديميين وصناع القرار. فبين تطور المؤشرات الكمية واستمرار الاختلالات البنيوية، تبرز الحاجة إلى تقييم موضوعي وشامل للواقع الراهن. أين الخلل؟.
وتزداد أهمية هذا التقييم في ضوء المعطيات الحديثة التي كشفت أن عدد طلبة الدكتوراه بالمغرب لا يتجاوز 40 ألف طالب خلال الموسم الجامعي 2024–2025، وهو رقم يظل دون الطموحات الوطنية والمعايير الدولية في مجال إنتاج الباحثين. علما ان النموذج التنموي الجديد وتقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي... ما فتئت تؤكد على أهمية البحث العلمي في التنمية الوطنية.
أولاً: البحث العلمي في المغرب ضمن المؤشرات الدولية:
1. معضلة نا تخصصه الدولة على البحث وتطوير،
فلا يزال المغرب يخصص للبحث والتطوير نسبة تتراوح بين 0.7% و0.8% من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة:
تقل عن المتوسط العالمي الذي يفوق 2%. وهي نسبة تقل كثيرًا عن متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2.7% تقريبًا). كما انها تبقى بعيدة جدًا عن الدول الرائدة مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل (أكثر من 4%).
ان هذا هذا المؤشر يعكس حقيقة مغادها: أن تمويل البحث العلمي ما يزال دون المستوى المطلوب لتحقيق تحول نوعي في الإنتاج المعرفي والابتكار.
ثانياً: البنية البشرية للبحث العلمي
1. معضلة طلبة الدكتوراه المسجلين. كل سنة:
بلغ عدد المسجلين في سلك الدكتوراه الى حدود سنة 2024/2025: حوالي 40,000 طالب باحث. في خين يبلغ عدد المسالك المعتمدة: 245 تكوينا في دكتوراة. اما عدد المنح السنوية المخصصة للدكتوراه فلت تتجاوز: 1,000 منحة فقط.
ان هذه الأرقام تكشف مفارقة واضحة بين اتساع قاعدة التعليم العالي ومحدودية قاعدة التكوين البحثي المتقدم. فالمغرب الذي يضم أكثر من 1.3 مليون طالب لا يتوفر إلا على 40 ألف طالب في الدكتوراه، أي ما يعادل نحو 3% فقط من مجموع الطلبة.
2. معضلة عدد الباحثين في الجامعات العمومية.
في هذا الصدد. يبلغ عدد الباحثين في المغرب أكثر من 1,000 باحث لكل مليون نسمة، وهو مستوى يفوق العديد من الدول الإفريقية، لكنه لا يزال دون المتوسط العالمي.
كما ارتفعت نسبة النساء الباحثات إلى نحو 34%، وهو ما يعكس تقدمًا نسبيًا في تمثيلية المرأة في الحقل العلمي المغربي.
ثالثاً: معضلة الإنتاج العلمي المغربي؟
فقد شهد الإنتاج العلمي المغربي نموًا مطردًا خلال العقد الأخير. ومن أبرز المؤشرات على ذلك:
تجاوز عدد المنشورات العلمية السنوية 10,000 منشور في قواعد البيانات الدولية.
فقد بلغ عدد المنشورات المفهرسة في قاعدة Scopus أكثر من 7000 مقال سنويًا في السنوات الأخيرة.
وهو ما جعل المغرب يحتل مراتب متقدمة إفريقيًا وعربيًا في النشر العلمي، حسب الحقول المعرفية. ومن أهم مجالات النشر:
1- الطب والعلوم الصحية
2- الهندسة والتكنولوجيا
3- الكيمياء
4- الفيزياء
5- العلوم الزراعية
6- الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات
ففي مجال الذكاء الاصطناعي وحده، يسجل المغرب أكثر من 1100 منشور سنويًا، ما يعكس بروز هذا المجال ضمن أولويات البحث العلمي الوطني.
رابعاً: معضلة مكانة المغرب إقليميًا ودوليًا في مجال البحث العلمي.
يحتل المغرب موقعًا متقدمًا ضمن الدول الإفريقية في الإنتاج العلمي، إلى جانب جنوب إفريقيا ومصر. فقد حل في المرتبة 67 عالميًا في مؤشر الابتكار العالمي لسنة 2025.
ويعد المغرب من أكثر الدول العربية والإفريقية دينامية في مجال التكنولوجيا العالية والصادرات الصناعية ذات المحتوى المعرفي.
خامساً: معضلة مؤشرات القوة في منظومة البحث العلمي :
1. نمو متواصل في النشر العلمي:
اذ يعكس ارتفاع عدد المنشورات توسع قاعدة الباحثين وتحسن الاندماج في الشبكات العلمية الدولية.
2. شراكات دولية قوية:
ومن أبرز شركاء المغرب علميًاعلى الصعيد الدولي:
- فرنسا
- إسبانيا
- الولايات المتحدة
- إيطاليا
- كندا
ويبدو من خلال ذلك أن المغرب في شراكاته العلمية يركز بشكل أساسي على الدول الأوربية والقارة الأمريكية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، في حين تغيب دول آسيا وافريقيا...
3. بروز مؤسسات رائدة:
- كالمركز الوطني للبحث العلمي والتقني
- جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية
- جامعة محمد الخامس بالرباط
جامعة القاضي عياض بمراكش بالإضافة الى جامعات أخرى(الحسن الثاني بالدار البيضاء ).
سادساً: معضلة الاختلالات البنيوية: وفي مقدمتها:
1. محدودية التمويل؟
اذ نلاحظ ضعف الاستثمار في البحث العلمي ينعكس على:
- محدودية التجهيزات المتقدمة؛
- ضعف تمويل المشاريع الكبرى؛
- محدودية فرص البحث التنافسي.
2. ضعف الابتكار وبراءات الاختراع؟
فبالرغم من تحسن النشر العلمي في المغرب، لا تزال براءات الاختراع محدودة جدا مقارنة بحجم الإنتاج الأكاديمي.
3. ضعف الربط بين الجامعة والمقاولة؟
اذ يلاحظ ان نتائج الأبحاث غير مدمجة بالشكل الكافي في النسيج الاقتصادي الوطني.
4. هجرة الكفاءات؟؟
اذ يسجل في هذا الإطار استمرارية هجرة الباحثين نحو الخارج بفعل:
- ضعف الحوافز؛
- محدودية الإمكانات؛
- غياب بيئة بحث تنافسية.
سابعاً: معضلة مفارقة الكم والجودة؟
اذ تكشف التجربة المغربية عن مفارقة أساسية: تحسن كمي ملحوظ في عدد المنشورات والباحثين؛ في مقابل قصور نوعي في التأثير العلمي والاقتصادي. وبناء على ذلك لا تزال تحديات قائمة بخصوص:
- معدل الاستشهادات العلمية؛
- النشر في المجلات ذات التأثير العالي؛
- تحويل الأبحاث إلى منتجات وسياسات عمومية؛ قائمة بقوة.
ثامناً: معضلة البحث العلمي في أفق 2030؟
ففي هذا السياق، يراهن المغرب، من خلال استراتيجية PACTE ESRI 2030، على:
- رفع الإنفاق على البحث والتطوير إلى 1% من الناتج الداخلي الخام؛
- مضاعفة عدد طلبة الدكتوراه؛
- تعزيز البحث التطبيقي؛
- دعم ريادة الأعمال الجامعية؛
- تقوية الربط بين الجامعة والاقتصاد.
في الختام،
تكشف حصيلة البحث العلمي في المغرب خلال سنتي 2024–2025 عن تقدم مهم على المستوى الكمي، سواء من حيث عدد الباحثين أو المنشورات أو البنية المؤسسية. غير أن هذا التقدم لا يزال محكومًا بإكراهات هيكلية تحد من قدرته على التحول إلى قوة ابتكارية واقتصادية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل في تحويلها إلى قيمة مضافة، وفي جعل الجامعة المغربية فاعلًا محوريًا في التنمية الوطنية. فنجاح المغرب في هذا الرهان يظل رهينًا بقدرته على الانتقال من جامعة للتدريس إلى جامعة للبحث والابتكار. ومن جامعة إدارية الى جامعة أكاديمية.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!