طنجة تبحث عن عمدتها… فمن وجده فليُعِده إلى مقرّ الجماعة
كان الطنجاويون، إلى وقت قريب، ينتظرون من عمدتهم أن يُصلح الحُفر، وينظّم السير، ويفي بوعود الحملة. أما اليوم، فقد صار السؤال الوحيد الذي يوحّد المدينة من مرشان إلى بني مكادة: أين العمدة؟ وهو، للمفارقة، السؤال نفسه الذي تطرحه العدالة بعد صدور مذكرة بحث في حق منير الليموري. ولأول مرة يلتقي المواطن والنيابة العامة على انشغال واحد.
في مقاهي البوليفار، تحوّلت القضية إلى مسابقة وطنية في الخيال. رواية تقول إن الرجل عبر من باب سبتة المحتلة كأي زائر عابر. ورواية أخرى تفضّل النسخة السينمائية: قارب في عرض المتوسط، وغروب شمس، وموسيقى تصويرية. وهناك من يقسم أنه تنكّر، ومن يرجّح أنه لم يغادر أصلاً. الحقيقة أن لا أحد يعرف شيئاً مؤكداً، وتلك بالضبط هي الفضيحة: أن تُترك مدينة بحجم طنجة لتتقاذفها الإشاعات، لأن من يُفترض أن يتكلموا اختاروا الصمت.
ثم جاء خبر مغادرة زوجته وابنتيه وفرد آخر من الأسرة، اليوم السبت، عبر ميناء طنجة المدينة، في وجهة يُرجَّح أنها إسبانيا. ولنكن منصفين: سفر أفراد الأسرة حق مشروع، ولا يُعد في حد ذاته دليلاً على أي شيء. لكن المدينة التي انتظرت سنوات أن يتحول ميناؤها إلى قطب سياحي نابض، اكتشفت فجأة أنه يشتغل بكفاءة عالية… في اتجاه واحد.
والمفارقة الأشد مرارة أن الملف يتعلق بـ«الأوراق الانتخابية». الورقة التي أوصلت الرجل إلى كرسي العمودية هي نفسها التي تلاحقه اليوم. صندوق الاقتراع، الذي يُفترض أنه أداة المحاسبة، صار موضوع البحث. وكأن الديمقراطية المحلية قررت أن تكتب مسرحية عبثية وتؤدي فيها كل الأدوار بنفسها.
أما القدر، فله حسّ دعابة لا يُجارى. فمن بين كل مدارس طنجة، شاءت الصدف، أو شاء القدر، أن تنفجر القصة في مدرسة تحمل اسم القدس. نعم، القدس نفسها التي ظلت لسنوات مادة للتنابز في معارك المدينة السياسية، بين من نصّبوا أنفسهم حرّاساً لـ«الحداثة»، ومن يسمّونهم تهكّماً «الكوفيين». كان الحداثيون يسخرون من الكوفية وأصحابها، ويعدّون الانشغال بالقضايا الكبرى شعبوية لا تصلح لتدبير الشأن المحلي، وأن المدينة تُدار بالأرقام لا بالشعارات. فإذا بالأرقام نفسها، أرقام الأوراق والمحاضر، هي التي تتعثر، وفي مكان يحمل الاسم الذي طالما سُخر منه.
صدفة؟ ربما. لكنها من تلك الصدف التي لو كتبها روائي لاتُّهم بالمبالغة. فالتاريخ، كما يبدو، لا يعيد نفسه فقط، بل يختار أحياناً العنوان بعناية.
أين الحزب؟ أين بلاغ يوضح، أو يتبرأ، أو حتى يطمئن؟ أين المجلس الجماعي الذي يسيّر شؤون مدينة يتجاوز سكانها المليون؟ الصمت هنا ليس حياداً، بل مشاركة في صناعة الغموض. وحين يغيب الخبر الرسمي، لا تبقى الساحة فارغة، بل يملؤها «قالوا» و«سمعنا» و«شافوه».
ويبقى سؤال مشروع يستحق جواباً لا اتهاماً: إذا صحّت روايات المغادرة، فمتى صدرت المذكرة؟ ومتى بلغت نقاط العبور؟ وكيف يمكن لشخصية عمومية بهذا الحجم أن تتحرك دون أن يلاحظ أحد؟ أسئلة لا تُدين أحداً، لكنها تحرج كثيرين.
لنقلها بوضوح: البراءة هي الأصل، وكل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي. لكن الأصل أيضاً أن يحضر المسؤول العمومي أمام القضاء ليدافع عن براءته، لا أن يترك المدينة تبحث عنه في خرائط المتوسط. فالبريء، في العادة، لا يحتاج إلى قارب.
طنجة كانت دائماً باباً بين إفريقيا وأوروبا، وقد فتحته عبر التاريخ للتجار والرحالة والحالمين. نتمنى فقط ألا تتحول إلى باب دوّار لمن ائتمنهم الناس على شؤونهم: يدخلون عبر صناديق الاقتراع، ويخرجون حين يطرق القضاء الباب.
إلى ذلك الحين، تنشر المدينة إعلانها بكل أدب:
مفقود: عمدة.
آخر مشاهدة: غير مؤكدة.
المكافأة: جواب رسمي واحد.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!