كانت جدّتي، رحمها الله، إذا خرجت من الدار التفّت في حايكها الأبيض كما تلتفّ السحابةُ حول القمر: تستُر ولا تُوحش، وتُحتشِم ولا تُرهِب، فيها من الوقار ما يجعل المارّ يغضّ بصره إجلالًا لا خوفًا. كان اللثام المغربيّ يكشف عن عينين تبتسمان، وعن بياضٍ يُشبه بياض جدران تطوان وأزقة فاس. ثم استيقظنا ذات صباحٍ فإذا السوادُ قد زحف على الشوارع، وإذا بناتُنا يلبسن ثوبًا لم تعرفه أمهاتُنا ولا جدّاتُهن، مستورَدًا من رمال نجدٍ وكهوف قندهار، يُقدَّم إلينا على أنه «الإسلام»، وما هو من إسلام المغاربة في شيء.
أولًا: حايكٌ أبيض… ذاكرةٌ مغربية مطموسة
الحايك ليس قطعةَ قماشٍ عابرة، بل هو وثيقةُ هويّة. لباسٌ تقليديٌّ نسائيٌّ من قماشٍ أبيض سميك، يُلبَس فوق الثوب فيغطّي الجسد والرأس وجزءًا من الوجه، وكان رائجًا منذ مطلع القرن الماضي في مدنٍ مغربية واسعة قبل أن ينحسر إلى بعض المناطق الجبلية. نسجت فيه المرأةُ المغربية تلاقُحَ حضاراتٍ ثلاث: الأمازيغية الأصيلة، والأندلسية المهاجرة، والإسلامية الجامعة. فكان «الحايك الصويري» و«الحايك التطواني» عنوانَ ذوقٍ رفيع وحشمةٍ لا تنفصل عن الجمال.
واللافت أنّ الشباب المغربي نفسه أدرك هذا الكنز حين كاد يُفقَد؛ فقد أطلقت جمعيات مدنية بمدينة بركان وغيرها مبادراتٍ تحت شعار «ثقافتي في لباسي»، خرجت فيها فتياتٌ بالحايك واللثام والجلابة إلى الأزقة العتيقة، إحياءً لموروثٍ محته العصرنة من جهة، وطمسته «الموضة الدينية» الوافدة من جهةٍ أخرى. لقد فهمت هذه الفتيات ما لم يفهمه دعاةُ السواد: أنّ الحشمة لا تحتاج أن تكون قبيحةً كي تكون حشمة، وأنّ الستر المغربيّ الأصيل جمعَ بين الوقار والبهاء، بينما جاء الوافدُ ليقرن الفضيلة بالكآبة، والعفّةَ بمحو الملامح.
ثانيًا: نقابٌ أسود… بضاعةٌ مشرقية في سوق التديّن
لنُسمِّ الأشياء بأسمائها: البرقعُ الذي يُخفي الوجهَ خلف شبكةٍ سوداء ليس مغربيًّا ولا عربيًّا، بل هو تقليد أفغانيّ محض، وقد أقرّت بذلك الدولة المغربية نفسها حين منعت سنة 2017 استيرادَه وصناعتَه وتسويقَه في كل مدن المملكة وقُراها، معلِّلةً القرار بدواعٍ أمنية بعد أن استغلّه مجرمون في ارتكاب جرائمهم. أما النقاب — أخوه الأصغر — فقد انتشر أساسًا في الأوساط السلفية وبعض المناطق الشمالية المتشدّدة، لا بوصفه سنّةً مغربية، بل بوصفه رايةً لتديّنٍ مشرقيّ دخيل.
وهنا تحضرني عبارةُ ابن خلدون الخالدة في «المقدمة»: «المغلوبُ مولَعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده». غير أنّ مأساتنا أفدح مما وصف العلّامة؛ فنحن لم نُقلِّد غالبًا حضاريًّا سبقنا في العلم والعمران، بل استوردنا من مشرقٍ متأخّرٍ رمزًا للانغلاق، ودفعنا ثمن نفطه قِيَمًا وهويّةً وذوقًا. تنكّرنا لِـ«الإسلام المغربي» المالكيّ — مذهبِ الوسطية والاعتدال الذي ترعاه إمارةُ المؤمنين وتُصان به وحدةُ المغاربة الدينية — لنركع أمام وهّابيةٍ مشرقية تُكفّر وتُضيّق وتُسوّد الحياة. أيُّ عقلٍ هذا الذي يبيع دُرّةَ فاسٍ ليشتري حصاةً من نجد؟
ثالثًا: عبادةٌ أم عادة؟ الفصلُ الذي يهدم البناء كلَّه
هنا لبُّ المسألة، وهنا يسقط كلُّ ادّعاءٍ بأنّ السواد المستورد «فريضة». فقد قرّر المحقّقون من أهل العلم، وعلى رأسهم شيخُ الإسلام ابن تيمية، قاعدةً ذهبية: الأصلُ في العبادات الحظرُ والتوقيف، والأصلُ في العادات الإباحةُ والإذن. واللباسُ — بإجماع المحقّقين ودُور الإفتاء — من باب العادات لا العبادات؛ فالأصل فيه الإباحةُ ما لم يرِد نهيٌ شرعيّ صريح، والواجبُ فيه سترُ العورة لا أكثر.
ثم إنّ المذاهب الأربعة مُجمِعةٌ على أنّ وجه المرأة وكفّيها ليسا عورة. وشاهدُ ذلك من الكتاب قولُه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]؛ فالأمرُ إنما وقع بإسدال الخمار على الجيب — أي الصدر والنحر — لا على الوجه. وفسّر حبرُ الأمة ابنُ عباس قولَه تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بأنه: الوجهُ والكفّان. ويعضُده حديثُ أسماء بنت أبي بكر أنّ النبيَّ ﷺ قال لها لمّا دخلت عليه بثيابٍ رقاق: «يا أسماءُ، إنّ المرأةَ إذا بلغتِ المحيضَ لم يصلُح أن يُرى منها إلا هذا وهذا»، وأشار إلى وجهه وكفّيه — رواه أبو داود.
بل إنّ حجّةً عقليةً بديهية تُفحِم دعاةَ تغطية الوجه، نبّه إليها كبارُ علماء الأزهر: كيف يأمر الشرعُ المؤمنين بغضّ البصر في قوله ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ولا يكون غضُّ البصر إلا عند مطالعة الوجوه؟ فلو كانت الوجوهُ كلُّها مُغطّاةً، فعمَّ يغضّ المؤمنون أبصارهم؟ إنّ النصّ نفسه يفترض وجهًا مكشوفًا.
فالنقابُ إذن، في أحسن أحواله، مسألةٌ خلافية اختُلف في نُدبها، وليس فرضًا مُجمعًا عليه بحال. والقاعدةُ الفقهية الكبرى تقول: «العادةُ مُحكَّمة»، ولكلِّ قومٍ عُرفُهم في اللباس ما دام ساترًا محتشمًا. فمن أين جاءت الجرأةُ على تحويل عادةٍ مشرقيةٍ خلافية إلى شعارٍ وراية، وعلى نزع لباس المغاربة الأصيل باسم دينٍ لم يفرض ذلك السواد قطّ؟
خاتمة: من استورد لباسَه استورد عقلَه
فلأقُلها صريحةً حاسمة: إن كنتَ — أيها المتمسّك بالسواد — تراه فرضًا وواجبًا، فاعلم أنّ الحشمة في المغرب لها ألفُ لباسٍ أصيل: الحايكُ الأبيض، والجلابةُ الوقور، واللثامُ الجبليّ الذي التحفت به جدّاتُنا فكنّ آيةً في الستر والجمال معًا. فلماذا تُلبِس ابنتَك سوادَ نجدٍ وتنزع عنها بياضَ تطوان؟ ولماذا تستجدي هويّتَك من صحراء الجزيرة وتحت قدميك تراثُ الأندلس والأمازيغ والقرويين؟
إنّ القضية ليست قماشًا يستُر، بل هويّةً تُطمَس. فالنقابُ الوهّابيُّ لم يأتِ وحده، بل جاء ومعه عقلٌ يُكفّر، وذوقٌ يُسوّد، وفهمٌ للدين يخاصم الحياةَ والجمال. ومن تنكّر لحايك جدّته فقد تنكّر لتاريخه؛ ومن استورد لباسَه من غير أهله، فليعلم أنه سيستورد — بعد اللباس — عقلَه وولاءَه ودينَه. عودوا إلى بياضكم قبل أن يبتلعكم السواد.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!