مِنَحٌ بلا سيادة.. حين تحوّلت انتخابات 2026 إلى مزادٍ للوعود المالية
مع اقتراب الاستحقاق التشريعي لسنة 2026، فتحت الأحزاب المغربية دفاترها أمام المواطنين، فتساقطت الوعود كالمطر: درعٌ اجتماعي هنا، ومنحةٌ للزواج هناك، وزيادةٌ في الأجور، ورفعٌ لسقف التعويضات، وتوسيعٌ للدعم المباشر. لقد بدت الساحة السياسية أشبه بسوقٍ للمزايدة، يرفع فيها كل متبارٍ رقمه في وجه خصمه، فمن وعد بألف درهم، جاء من يعد بألفٍ ونصف، ومن تحدّث عن حماية أربعة ملايين أسرة، ردّ عليه آخر بمليون منصب شغل. مزادٌ حقيقي، لكنه مزادٌ على شيء واحد لا غير: الدرهم.
سباقٌ نحو جيب المواطن
لا يحتاج المتتبّع إلى كبير عناء ليكتشف أن البرامج الانتخابية للأحزاب الكبرى تكاد تُنسخ من قالبٍ واحد. التجمع الوطني للأحرار رفع شعار "كرامة وفرص للجميع"، وجعل قلب برنامجه "درعاً اجتماعياً" يربط الدعم المباشر بمعدلات التضخم. حزب التقدم والاشتراكية بشّر بزيادة الأجور بنسبة خمسة عشر في المائة، ورفعِ تعويض فقدان الشغل إلى سبعة آلاف وخمسمائة درهم. حزب الاستقلال لوّح بمنحةٍ للمقبلين على الزواج تصل إلى خمسة آلاف درهم، وبـ"منحة انطلاقة أسرية". الحركة الشعبية تعهّدت بألف درهم للمعطّلين. والجميع، من أقصى الأغلبية إلى أقصى المعارضة، يتسابق على رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي من خمسمائة إلى ألف درهم، وعلى الإعفاءات الضريبية، وعلى معاشاتٍ أعلى.
لا أحد ينكر أن غلاء المعيشة وجعٌ حقيقي، وأن القدرة الشرائية للمغاربة تآكلت، وأن الحديث عنها واجبٌ لا ترف. لكن حين تصبح كل البرامج نسخةً معدّلة من قائمة تسوّق، وحين تُختزل السياسة برمّتها في من يعطي أكثر، فإننا لا نكون أمام تنافسٍ في الرؤى، بل أمام إفلاسٍ في التصوّر. البرنامج الحزبي ليس لائحة مشتريات، والوطن ليس زبوناً يُستمال بحفنة دراهم موعودة.
كم؟ نعم.. لكن كيف؟
وحتى في هذا "الكمّ" الذي أدمنته الأحزاب، ثمة عجزٌ أعمق. فكل حزبٍ يجيد الحديث عن الرقم — كم درهماً سيمنح، وكم في المائة سيزيد — لكن لا أحد يجرؤ على مواجهة السؤال الأصعب: كيف؟ من أين ستأتي المليارات؟ رفع الأجور بخمسة عشر في المائة، بأي كلفةٍ على الميزانية وبأي أثرٍ على التضخم؟ منحة الزواج بخمسة آلاف درهم، من أي صندوقٍ ستُموَّل؟ مليون منصب شغل، عبر أي سياسةٍ صناعية واستثمارية؟
الوعد سهل، والرقم جذّاب، لكن غياب "الكيف" — أي الآلية والتمويل والجدولة الزمنية — يكشف أن ما نُقدّم لنا أقرب إلى الإغراء الانتخابي منه إلى الالتزام القابل للمحاسبة. البرنامج الذي لا يرفق وعوده بمصادر تمويلها وخارطة تنفيذها، ليس سوى شيكٍ بلا رصيد، يُوقّعه الحزب اليوم على أن يصرفه المواطن وهماً بعد الانتخابات.
الصمت المدوّي حول السيادة
في خضمّ هذا الضجيج المالي، كان ثمة غيابٌ صارخ، غيابٌ يكاد يكون تواطؤاً: أين موقع القضايا السياسية الكبرى من هذه البرامج؟ وأين، تحديداً، ملف سبتة ومليلية؟
لم يكن الملف نائماً في أرشيف التاريخ حتى يُعذر من نسيه. لقد كان في قلب الحدث. ففي غشت 2026، شهدت سبتة موجة عبورٍ جماعي غير مسبوقة، تحدّثت مصادر إسبانية عن قرابة تسعةٍ وستين ألفاً من المهاجرين، في مشهدٍ وضع الثغرين المحتلّين في صدارة الأخبار الدولية. وحين صرّح وزيرٌ في الحكومة نفسها بأن المدينتين "أرضٌ مغربية"، تفجّرت أزمة دبلوماسية مع مدريد، التي سارعت إلى إغلاق الباب رسمياً، مؤكدةً أن لا حديث ولا نقاش حول ما تسمّيه سلامتها الترابية. وفي الصحافة الإسبانية، عاد الحديث عن "المناطق الرمادية" والتهديدات الهجينة على الحدود.
كل هذا كان يجري على مرأى من الأحزاب ومسمعها، وهي منشغلة بضبط أرقام المنح وحساب نسب الزيادة في الأجور. ولعلّ المفارقة الأقسى أن الملف حين طُرح، طُرح على لسان وزيرٍ في موقعه الحكومي، لا في وثيقةٍ حزبية ولا في برنامجٍ انتخابي. كأنّ السيادة شأنٌ يُترك للدولة وحدها، بينما تكتفي الأحزاب بدور موزّع الإعانات.
مسرحيةٌ يعرف الجميع نهايتها
وثمة كذبةٌ صامتة يعرفها كل حزبٍ ويتظاهر بتجاهلها. فالنظام الانتخابي المغربي، بطبيعته، لا يمنح أغلبيةً مطلقة لحزبٍ واحد. وكل حزبٍ يعلم، وهو يوزّع وعوده بسخاء، أنه لن يحكم وحده، وأنه سيُضطر إلى التحالف، وأن التحالف سيذيب برنامجه في "برنامجٍ حكومي" مشترك تُطحن فيه معظم التعهّدات وتُنسى. أي أن الناخب مدعوٌّ إلى التصويت على وعودٍ يعرف أصحابها سلفاً أنهم لن ينفّذوا جُلّها.
ثم تأتي نهاية الولاية لنشاهد المشهد ذاته الذي عشناه مع الحكومة المنتهية ولايتها: شركاء الأمس يتبادلون الاتهامات على الملأ، كلٌّ يقدّم نفسه بطلاً للإصلاح كان يريد الخير فمنعه الآخرون، ويرمي شريكه بالفساد والإفساد وعرقلة المشاريع. مسرحيةٌ تتكرّر فصولها في كل ولاية، بالممثّلين أنفسهم والحوار نفسه، والمواطن هو الجمهور الوحيد الذي يدفع ثمن التذكرة من ماله ومن أمله معاً.
عقدٌ صريح.. أو نهاية المسرحية
لقد آن للمواطن المغربي أن يُسدل الستار على هذا المسلسل. فإمّا أن تأتي الأحزاب بتعاقدٍ صريحٍ وواضحٍ ومكتوب مع المغاربة — تعاقدٍ يحدّد الالتزام والآلية والكلفة والأجل، ويقبل المحاسبة والمساءلة عند الإخلال به — وإمّا أن نعترف بشجاعةٍ أن هذه المسرحية لم تعد تستحق ما يُهدر عليها من مالٍ عام.
وقد يكون البديل، حين تعجز الأحزاب عن أن تكون أحزاباً حقيقية، حكومة كفاءاتٍ تقنوقراطية تشتغل تحت السقف الملكي، وتنفّذ رؤية الدولة ومشاريعها الكبرى بجدّيةٍ ومحاسبة، بدل تبديد المال العام على تشكيلاتٍ فقدت روحها منذ زمن. أحزابٌ ماتت سريرياً وهي واقفة، وجاءت أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة لتدقّ آخر مسمارٍ في نعشها السياسي؛ إذ لم يرتفع صوت حزبٍ واحد بالقوة اللازمة في لحظةٍ كانت تختبر وطنيته قبل برنامجه، وحسّه بالدولة قبل حساباته الانتخابية.
سيذهب المغاربة إلى الصناديق وأمامهم برامج تتشابه حدّ التطابق، تعدهم جميعاً بدراهم أكثر، وتصمت جميعاً عن أسئلة الوطن الكبرى، وتتهرّب جميعاً من سؤال "كيف؟". والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس فقط: من سيعطيني أكثر؟ بل: من يستحقّ أصلاً أن يمثّلني؟ فالانتخابات التي تختزل نفسها في المال تُنتج سياسةً بلا روح، والوطن الذي تصمت أحزابه عن أرضه، لا يُنتظر منه أن ينطق بمصيره.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!