هدنة مؤقتة تعيد الحياة إلى المحاكم

هدنة مؤقتة تعيد الحياة إلى المحاكم

عودة الروح إلى ردهات المحاكم: المحامون يستأنفون عملهم بعد أكثر من أربعة أشهر من التوقف

 

استعادت محاكم المملكة، اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، نبضها المعتاد بعودة أصحاب البذلة السوداء إلى قاعات الجلسات وكتابات الضبط. ويأتي ذلك تنفيذا لقرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب بتعليق التوقف عن تقديم الخدمات المهنية ابتداء من هذا التاريخ، بعد ما يزيد عن أربعة أشهر من التوقف الشامل، في واحدة من أطول المواجهات بين المهنة والحكومة.

عودة مؤقتة لا تعني طي الملف

اتخذ مكتب الجمعية قراره خلال اجتماع عقده يوم الأحد 20 شتنبر 2026 بمقرها في الرباط، خُصص لتقييم تطورات الخلاف حول قانون تنظيم مهنة المحاماة. غير أن الجمعية حرصت على التأكيد أن هذا التعليق ليس تراجعا عن المطالب المهنية ولا قبولا بمقتضيات القانون المتنازع حوله، بل فرصة للمؤسسات الدستورية الجديدة كي تتحمل مسؤوليتها في معالجة ما تعتبره اختلالات في المسار التشريعي.

ولم يكن اختيار هذا التاريخ اعتباطيا، إذ ربطته الجمعية بالسياق السياسي الذي أفرزته الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، وبافتتاح الدورة التشريعية الجديدة المرتقب يوم 9 أكتوبر. وبهذا تنقل الهيئات المهنية معركتها من ساحات المحاكم إلى طاولة الحكومة والبرلمان الجديدين.

المتقاضي.. الخاسر الأكبر

خلال أشهر التوقف، تراكمت آلاف الملفات المؤجلة، وظل متقاضون كثر معلقين بين جلسة وأخرى، خاصة في قضايا الشغل والأسرة والمعتقلين احتياطيا الذين ينتظرون البت في وضعيتهم. وستكون المحاكم مطالبة في الأسابيع المقبلة بمجهود استثنائي لامتصاص هذا التراكم، في ظل ضغط أصلا على الهيئات القضائية وكتابات الضبط.

كما لم يخلُ المسار من نقاش داخل الجسم المهني نفسه، إذ اختارت بعض الهيئات، كهيئة الدار البيضاء في يونيو الماضي، التشبث بمواصلة الممارسة وعدم الانخراط في التوقف، مع احترام قرارات باقي الهيئات، فيما دعت أصوات مهنية وازنة إلى العودة باعتبارها قرارا ناضجا لا هزيمة.

المحامي.. ركن لا يقوم بدونه بناء العدالة

كشفت هذه الأزمة، أكثر من أي وقت مضى، أن المحامي ليس مجرد طرف ثانوي في المنظومة القضائية. فالقانون المنظم للمهنة يعرّف المحاماة بوصفها مهنة حرة مستقلة تساعد القضاء وتساهم في تحقيق العدالة، والدستور المغربي يكفل حق الدفاع أمام جميع المحاكم، وهو حق لا يتحقق فعليا إلا بوجود دفاع مستقل ومؤهل.

فالمحامي هو صلة الوصل بين المواطن والقضاء: يترجم مطالب موكله إلى لغة القانون، ويضمن احترام المساطر والآجال، ويحرس شروط المحاكمة العادلة، خصوصا في القضايا الجنائية حيث تكون حرية الإنسان على المحك. وحين يغيب الدفاع، لا تتوقف الجلسات فحسب، بل يختل التوازن بين النيابة العامة والمتهم، ويتعطل الولوج إلى العدالة، لا سيما لدى الفئات الهشة المستفيدة من المساعدة القضائية.

ومن هنا يرى مراقبون أن النقاش حول قانون المهنة ينبغي أن يتجاوز ثنائية «مع المحامين أو ضدهم»، لأن استقلالية الدفاع وحصانته ليست امتيازا فئويا، بل ضمانة للمتقاضي قبل كل شيء.

ماذا بعد؟

تبقى العودة الحالية هدنة مشروطة، معلقة على ما ستبديه الحكومة المقبلة من استعداد لإعادة فتح الحوار حول النقاط الخلافية. وفي انتظار ذلك، يتنفس المتقاضون الصعداء، وتستعيد ردهات المحاكم ضجيجها المألوف، على أمل ألا يتحول الشلل مجددا إلى رهينة لصراع لم يُحسم بعد.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك