هل يمكن لمسلم أن يقرأ عن البوذية، أو يتأمل بعض تعاليم المسيحية، أو يطّلع على مدارس روحية وفلسفية أخرى، ثم يعود من قراءته أكثر فهمًا للإسلام، وأشد وعيًا بإيمانه؟ أم أن مجرد الاقتراب من هذه العوالم يُعدّ ابتعادًا عن الدين الذي ينتمي إليه؟
أعتقد أن هذا السؤال يستحق نقاشًا هادئًا، بعيدًا عن الاتهام وعن الحماس الساذج الذي يرى في كل فكرة قادمة من الخارج حقيقة غائبة عنا. فالقراءة ليست إعلان انتماء، والإعجاب بمعنى إنساني لا يساوي اعتناق العقيدة التي ورد ضمنها. وبين رفض كل ما لدى الآخرين وقبوله كاملًا، توجد مساحة واسعة للفهم والتأمل والتمييز.
من هذه المساحة أنطلق. أنا مسلم، لكنني لا أرى أن معرفتي بالآخر ينبغي أن تكون محصورة في ما يُقال ضده. أريد أن أفهم كيف ينظر إلى الحياة، وكيف يتعامل مع الألم والخوف والرغبة، وما الذي يجعله يبحث عن السكينة والمعنى. هذه أسئلة إنسانية تمسني أيضًا، وإن اختلفت الإجابات والمرجعيات.
حين أقرأ فكرة عن الرحمة، لا يكون سؤالي الأول: إلى أي جماعة ينتمي صاحبها؟ أسأل أولًا: ماذا تقول؟ وما الذي يمكن أن أتعلمه منها؟ ثم أنظر في علاقتها بقيمي ومعتقداتي. فالفكرة لا تصبح صحيحة لمجرد أنها جاءت من ثقافة مختلفة، ولا تصبح باطلة لمجرد أن صاحبها لا يدين بديني.
ولعل أحد أسباب خوفنا من هذه القراءة أننا نخلط بين فهم المعتقد والتصديق به. نستطيع أن نفهم لماذا يؤمن إنسان بفكرة معينة دون أن نؤمن بها معه. بل إن الفهم قد يجعل اختلافنا أكثر دقة وعدلًا؛ فنختلف مع ما يقوله بالفعل، لا مع صورة مشوهة رسمناها له أو ورثناها عنه.
عندما أقرأ، مثلًا، نصًا من التراث البوذي يناقش التعلق بالرغبات أو مراقبة انفعالات النفس، يمكنني أن أتوقف عند السؤال الذي يطرحه: إلى أي حد تتحكم رغباتي في حياتي؟ هل أملك الأشياء التي أقتنيها، أم تصبح حاجتي الدائمة إليها هي التي تملكني؟ لست مضطرًا إلى تبنّي البناء العقدي الذي ينطلق منه النص حتى أراجع علاقتي بالاستهلاك أو بالغضب أو بالسعي المستمر إلى رضا الناس.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا نختزل البوذية في تمارين للاسترخاء، أو المسيحية في مواعظ عن المحبة، أو الإسلام في مجموعة قواعد سلوكية. فهذه تقاليد دينية واسعة ومتنوعة، وللمفاهيم داخلها سياقات ومعانٍ قد تختلف كثيرًا. التشابه في بعض الكلمات لا يعني تطابق الرؤية إلى الإنسان أو الإله أو غاية الوجود.
لهذا، فإن الاستفادة التي أدافع عنها تحتاج إلى انتباه. هناك فرق بين قراءة معنى أخلاقي والتفكير فيه، وبين ممارسة طقس ذي دلالة دينية، وبين اعتناق تصور عقدي. جمع هذه المستويات في حكم واحد يربك النقاش. كما أن الحكم الديني على ممارسة بعينها يحتاج إلى فهم حقيقتها وسياقها، ولا يُحسم بمجرد القول إن نيتنا منها طيبة.
ما يعنيني هنا هو إمكان أن تصبح معرفة الآخر مناسبة لمعرفة الذات. فقد أقرأ حديثًا عن الحضور والانتباه، ثم أسأل نفسي عن صلاتي: كم مرة أؤديها وجسدي حاضر وذهني منشغل بكل شيء آخر؟ وقد أتأمل فكرة عن تخفيف التعلق بالماديات، فأعود إلى علاقتي بالقناعة: هل أفهمها فعلًا، أم أكررها في الكلام بينما أقيس قيمتي بما أملك؟
في هذه اللحظة، لا تكون القراءة قد أبعدتني بالضرورة عن الإسلام. ربما كشفت لي المسافة بين ما أعرفه عنه وما أعيشه منه. لقد جاء السؤال من خارج تجربتي المعتادة، لكنه دفعني إلى النظر داخلها بصدق أكبر.
ولا يعني ذلك أن الإسلام يحتاج إلى تقاليد أخرى حتى تكتمل معانيه، بل يعني أن فهمي أنا يحتاج إلى جهد ومراجعة. ينبغي أن نميّز بين الدين وبين مقدار معرفتنا به. فما وصلني عبر التربية والعادة والخطاب الاجتماعي ليس بالضرورة كل ما يمكنني أن أفهمه من ديني، ولا كل ما يستحق أن أبحث فيه.
قد نحفظ أسماء القيم قبل أن ندرك أثرها في الحياة. نتحدث عن الرحمة، ثم نضيق بخطأ صغير من إنسان قريب. نمدح التواضع، ثم نرفض الاعتراف بأن شخصًا مختلفًا عنا علّمنا شيئًا. ونتحدث عن محاسبة النفس، بينما ننشغل طويلًا بمحاسبة الآخرين. هنا تصبح القراءة المقارنة مرآة محتملة، تكشف بعض ما اعتدنا ألّا نراه.
غير أن هذه المرآة ينبغي ألا تتحول إلى انبهار يفقدنا القدرة على النقد. ليس كل خطاب يَعِد بالسكينة عميقًا، ولا كل فكرة توصف بأنها روحية نافعة. وقد نُعجب بعبارة جميلة لأننا قرأناها منفصلة عن سياقها، أو لأننا نقارن أجمل ما لدى الآخرين بأسوأ ما نراه في واقعنا. وهذه مقارنة غير عادلة، مهما بدا صاحبها منفتحًا.
القراءة الجادة تقتضي أن نتعامل مع الجميع بالمقياس نفسه: أن نبحث عن المعنى في سياقه، وأن نعترف بالتنوع داخل كل تقليد، وألا نقارن المثال النظري عند طرف بالممارسة المعيبة عند الطرف الآخر. وتقتضي أيضًا أن نسمح للآخر بأن يشرح نفسه، بدل أن نقرأه فقط لنثبت أنه يشبهنا أو أنه مخطئ.
وقد يعترض أحدهم بأن الانفتاح قد يثير الشكوك. وهذا احتمال لا ينبغي إنكاره، كما لا ينبغي تحويله إلى مبرر لإغلاق أبواب المعرفة. الناس يختلفون في استعدادهم وأسئلتهم، والقراءة قد تمنح بعضهم وضوحًا، وقد تفتح أمام آخرين حيرة تحتاج إلى وقت وبحث وحوار مع أهل المعرفة. لا توجد نتيجة واحدة مضمونة لكل قارئ.
لكنني لا أرى في السؤال الصادق إهانة للإيمان. الإنسان الذي يريد أن يفهم لماذا يؤمن، وكيف يعيش ما يؤمن به، يقوم بعمل يستحق الاحترام. ومن حقه أن يجد مساحة للسؤال دون أن يُختزل في شكه، أو تُقرأ رغبته في المعرفة باعتبارها نية للخروج من دينه.
ما أدعو إليه هو ثقة تسمح لنا بالقراءة، وتواضع يسمح لنا بالتعلم، ووعي يسمح لنا بالاختلاف. نستطيع أن نتمسك بإيماننا ونقدّر حكمة عند غيرنا، وأن نرفض معتقدًا دون أن نحتقر أصحابه، وأن نعترف بحدود معرفتنا دون أن نشعر بأن هويتنا مهددة.
لهذا أعتقد أن المسلم قد يعود من قراءة التقاليد الأخرى أكثر وعيًا بإسلامه، إذا دفعته تلك القراءة إلى البحث في مصادره، ومراجعة سلوكه، وفهم اختياراته. فالكتاب الذي يعرّفني بالآخر قد يوقظ في داخلي سؤالًا عن نفسي ظل مؤجلًا سنوات.
وحين أغلقه، لا يهمني فقط مقدار ما عرفته عن معتقد صاحبه. يهمني أيضًا أن أسأل: هل أصبحت أكثر عدلًا في حكمي، وأصدق في مراجعتي، وأرحم في معاملتي؟ وهل اقتربت خطوة من أن أعيش الإيمان الذي أقول إنني أنتمي إليه؟

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!