في مسجدٍ بضاحية أوروبية، يعتلي الخطيبُ المنبرَ يوم الجمعة فيرعد ويبرق عن "بلاد الكفر" و"دار الفسق"، ويحذّر المصلين من "التشبه بالقوم" ومن "موالاة الكافرين". ثم ينزل من منبره ليقبض راتبه من صندوق الدولة التي لعنها للتو، ويعود إلى بيتٍ تدعمه إعانات السكن، ويوصل أبناءه إلى مدارس مجانية بنتها ضرائب أولئك "الكفار"، ويعالَج إن مرض في مستشفياتهم دون أن يدفع درهماً واحداً. وفي الصفوف خلفه، جمهورٌ يحمل بطائق الإقامة وجوازات تلك الدول، يؤمّن على دعائه، ثم يخرج ليستأنف حياته التي لا تقوم إلا على مؤسسات البلد الذي سمع للتو أنه دار كفرٍ لا تجوز الإقامة فيها.
هذا المشهد ليس كاريكاتيراً ولا مبالغة، بل واقعٌ يتكرر كل جمعة في مدنٍ أوروبية كثيرة، وهو عنوان أزمةٍ أخلاقية وشرعية عميقة: ازدواجيةُ من يأكل من مائدة قومٍ ويشرب من مائهم ويقبض من خزائنهم، ثم يسبّهم ويكفّرهم ويعلّم أبناءه أنهم أعداء. وهي ازدواجية لا يدينها العقل السليم فحسب، بل يدينها الشرع نفسه الذي يُرفع باسمه هذا الخطاب.
أرقام لا تحتمل المزايدة
قبل الخوض في الحكم الشرعي، لنضع الأرقام على الطاولة. يتراوح عدد مغاربة العالم اليوم بين ستة ملايين وستة ملايين ونصف، من بينهم أزيد من 5.1 مليون مسجلين لدى قنصليات المملكة حسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ويقيم نحو 85 في المائة منهم في أوروبا وحدها: أكثر من مليون في فرنسا، وقرابة 900 ألف في إسبانيا، وأزيد من 400 ألف في إيطاليا، ومئات الآلاف في بلجيكا وهولندا وألمانيا. وقد تجاوز عدد المغاربة الحاصلين على جنسيات أوروبية سنة 2022 وحدها 112 ألف شخص، ليتصدروا قائمة المتجنسين في الاتحاد الأوروبي.
وفي الاتجاه المعاكس، تدفقت على المغرب سنة 2025 تحويلاتٌ مالية من جاليته بلغت 122 مليار درهم حسب مكتب الصرف، وهي المصدر الأول للعملة الصعبة في البلاد، ويتوقع بنك المغرب أن تبلغ 130 ملياراً في أفق 2027. فلنقلها بوضوح: الاقتصاد المغربي نفسه يقتات من عرق مهاجرين يعملون في مصانع "دار الكفر" ومزارعها ومستشفياتها. فأي منطق هذا الذي يبارك المليارات القادمة من تلك الديار، ثم يلعن الديار ذاتها من فوق المنابر؟
فقه الغدر: التأشيرة عهدٌ والإقامة أمان
الأصل الذي يتجاهله خطاب التكفير المريح هذا أصلٌ فقهي راسخ لا خلاف فيه بين المذاهب: أن المسلم الذي يدخل بلداً غير مسلم بتأشيرة أو إقامة أو جنسية، إنما دخله بعقد أمانٍ متبادل. الدولة تعطيه الأمن والحقوق والخدمات، وهو يلتزم باحترام قوانينها وعدم الغدر بأهلها. هذا ما سماه الفقهاء "عقد الأمان"، وهو عقدٌ يحرم نقضه شرعاً قبل أن يجرّمه القانون.
قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 34]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: «لِكُلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُقال: هذه غَدْرَةُ فلان». فمن دخل بلداً بعهد الأمان ثم استحلّ خيانة أهله أو التحايل على قوانينه أو تكفير مجتمعه الذي يعيش على خدماته، فقد جمع بين الغدر ونكران الجميل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناسَ» (رواه أبو داود والترمذي). فكيف بمن لا يكتفي بجحود المعروف، بل يقابله بالسبّ واللعن والتحريض؟
بل إن القرآن حسم مسألة التعامل مع غير المسلمين المسالمين حسماً لا يقبل التأويل: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]. فالله لم يأمر فقط بالعدل مع من لم يقاتلنا، بل أباح برَّهم، والبرُّ أعلى درجات الإحسان، وهو اللفظ ذاته الذي استعمله القرآن في حق الوالدين. فمن أين جاء هؤلاء الخطباء بفقهٍ يجعل لعن من أحسن إليك ديناً وقربة؟
الهجرة إلى أرض العدل سنّةٌ نبوية لا معصية
ثم إن الذاكرة الدينية لهذا الخطاب انتقائية على نحو فاضح. فأول هجرة في الإسلام لم تكن إلى دولة مسلمة، بل إلى الحبشة النصرانية، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه المستضعفين: «إن بها ملكاً لا يُظلَم عنده أحد»، فهاجروا إلى النجاشي وعاشوا في كنفه سنوات طويلة، وبقي جعفر بن أبي طالب ومن معه هناك نحو خمسة عشر عاماً، لم يأمرهم النبي يوماً بلعن مضيفيهم ولا بالتحايل على مجتمعهم، بل شكروا وأثنوا وأدّوا الأمانة.
فالمعيار النبوي في الهجرة لم يكن دينَ الدولة بل عدلَها: "ملكٌ لا يُظلَم عنده أحد". ولو طبقنا هذا المعيار اليوم لوجدنا مفارقةً موجعة: كثير من المهاجرين المغاربة وجدوا في أوروبا من ضمانات العدل والكرامة والتعليم والصحة ما لم يجدوه في أوطانهم، ولهذا هاجروا أصلاً. فالذي يهاجر هرباً من الظلم إلى أرضٍ وجد فيها الإنصاف، ثم يلعنها، إنما يلعن النعمة التي فرّ إليها بقدميه.
الإسلام إذن لا يمنع الهجرة، ولا يمنع الاندماج، ولا يمنع أخذ الجنسية والعمل والمشاركة في الحياة العامة، ما دام المسلم محافظاً على دينه قادراً على إظهار شعائره — وهو في أوروبا اليوم يبني المساجد ويصوم ويحج ويعلّم أبناءه القرآن بحرية يحسده عليها مسلمون في بلدان "إسلامية". ما يمنعه الإسلام حقاً هو الغدر والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل والاحتيال على أنظمة الإعانات — وهي بالضبط الموبقات التي يسكت عنها بعض خطباء اللعن، لأن نقدها يتطلب شجاعةً في مواجهة الجمهور، بينما سبُّ "الكفار" بضاعةٌ رائجة لا تكلف صاحبها شيئاً.
الجيل الثاني: الضحية الصامتة للخطابين
أخطر ما في هذه الازدواجية ليس النفاق ذاته، بل ما تفعله بعقول الجيل الثاني. فخُمس مغاربة العالم اليوم وُلدوا في المهجر، وهؤلاء الشباب ينشؤون بين خطابين متناقضين: خطاب المنبر الذي يقول لهم إن الوطن الذي وُلدوا فيه وتعلموا في مدارسه وتكلموا لغته قبل العربية هو "دار كفرٍ" يجب بغضها، وخطاب الواقع اليومي الذي يقول لهم إن هذا البلد هو كل ما يعرفونه من الدنيا.
النتيجة وثّقتها الدراسات الأكاديمية بدقة. فأبحاث الباحثتين فينيلا فلايشمان وكارين فاليت، التي قارنت شبابَ الجيل الثاني من أصول مغربية وتركية في بلجيكا وهولندا وألمانيا وبريطانيا والسويد، خلصت إلى نتيجة حاسمة: لا يوجد تعارضٌ جوهري بين الهوية الإسلامية والهويات الوطنية الأوروبية، وأن التوتر بينهما حين يقع إنما يصنعه السياقُ المحلي — أي خطاب الإقصاء من جهة الأغلبية، وخطاب العزلة من جهة الأقلية. بل وجدت دراساتٌ هولندية أن التدين القوي لدى الجيل الثاني من المغاربة الهولنديين تديّنٌ "ردّ فعلي" في جزء منه: هويةٌ دفاعية تتشكل تحت ضغط الرفض، لا تديّنٌ تقليدي موروث. وأظهرت دراسة على عينة من 1776 شخصاً من الأقليتين المغربية والتركية بهولندا أن التدين لدى الجيل الثاني منفكٌّ عن مؤشرات الاندماج: فالمتدين المولود هناك لا يقل مشاركةً اقتصادية ولا انتماءً وطنياً عن غيره.
بعبارة أوضح: العلم يقول إن الشاب المغربي في أمستردام أو بروكسيل يستطيع أن يكون مسلماً ملتزماً ومواطناً كاملاً في آنٍ واحد، وأن ما يمزقه ليس دينه بل الخطابان المتطرفان اللذان يتنازعانه: عنصريٌّ أوروبي يقول له "لن تكون منا مهما فعلت"، وخطيبٌ مهاجر يقول له "إن صرت منهم كفرت". كلاهما يدفعه إلى الهاوية ذاتها: إما ذوبانٌ كامل يقطعه عن دينه وجذوره، وإما انغلاقٌ غاضب قد يقوده إلى التطرف. وحين ينفجر أحد هؤلاء الشباب في وجه المجتمع، يتبرأ الخطيب مما زرع، وتتبرأ الجالية مما سقت.
الاندماج ليس ذوباناً... واللعن ليس ديناً
لا بد هنا من تحرير المصطلحات التي يتلاعب بها الخطابان معاً. الاندماج الذي لا يمنعه الإسلام هو أن تتقن لغة البلد، وتحترم قانونه، وتعمل وتنتج وتشارك في شأنه العام، وتحسن الجوار، وتؤدي ما عليك قبل أن تطالب بما لك. والذوبان المذموم هو أن تتنكر لدينك ولغتك الأم وجذورك استجداءً لقبولٍ لن يأتي. والحفاظ على الهوية الدينية لا يكون بلعن المجتمع المضيف، بل بأن تكون فيه نموذجاً للمسلم الذي وصفه نبيه: «المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» — ومن باب أولى أن يَسلم منه من أمّنه وأطعمه وآواه.
والحق يقال: أغلبية الجالية المغربية في أوروبا تعيش هذه المعادلة المتوازنة بصمتٍ وكرامة، تعمل وتكدّ وترسل المليارات لأهلها وتربي أبناءها على الدين والاحترام معاً. لكن الأقلية الصاخبة التي تحتكر المنابر والمنصات تفسد بلسانها ما يبنيه هؤلاء بأيديهم، وتقدّم لليمين المتطرف الأوروبي هديةً مجانية: دليلاً حياً يلوّح به في كل انتخابات ليقول إن المسلمين طابورٌ خامس لا يمكن دمجه.
الخلاصة: قولٌ فصل
من كان يعتقد حقاً أن أوروبا دار كفرٍ لا تحل الإقامة فيها، فليكن صادقاً مع عقيدته وليرحل، فالأرض واسعة والمطارات مفتوحة. أما أن يبقى ثلاثين سنة يقبض رواتبها وإعاناتها، ويعالج أبناءه في مستشفياتها، ويحتمي بقوانينها كلما مسّه ضيم، ثم يصعد المنبر ليكفّر من أطعمه — فهذا ليس غيرةً على الدين، بل هو الغدر الذي توعّد النبي صاحبه بفضيحةٍ على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وهو نكران الجميل الذي جعله الشرع دليلاً على فساد القلب قبل فساد الخُلق.
الدين لم يمنع الهجرة، فأول المهاجرين صحابةٌ احتموا بملكٍ نصراني عادل. والدين لم يمنع الاندماج، فقد أمر بالبر والقسط مع كل من لم يحمل السلاح في وجهك. الدين إنما حرّم شيئين اثنين يمارسهما هذا الخطاب صباح مساء: الغدرَ بمن أمّنك، والكذبَ على الله بتحويل الحقد الشخصي إلى فتوى. ومن أراد أن يحفظ دين الجيل الثاني، فليبدأ بتطهير المنبر من هذا التناقض، فالشاب الذي يرى خطيبه يلعن يداً يأكل منها، لن يفقد ثقته في الخطيب وحده — بل قد يفقدها، والعياذ بالله، في الدين الذي يتحدث الخطيب باسمه. وتلك هي الجناية الكبرى.
✍️ رضا الحكيم الشعيري
دين وحياة – طنجة الأخبار

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!