ﺣﯾن ﺗرﻓﻊُ اﻟﻔﺗﯾﺎتُ ﺷﺎرةَ اﻟﻧﺻر... ﻓﻲ وﺟﮫ ﻣن؟

ﺣﯾن ﺗرﻓﻊُ اﻟﻔﺗﯾﺎتُ ﺷﺎرةَ اﻟﻧﺻر... ﻓﻲ وﺟﮫ ﻣن؟

حين ترفعُ الفتياتُ شارةَ النصر... في وجه من؟

 اذهبوا أنتم وانتخاباتُكم؛ فهذا لا يعنينا في شيء، ولا نثق في أحد

« لسانُ حالِ جيلٍ اختار البحرَ على صندوق الاقتراع »

 

في فجر الثلاثاء الأخير، عاشت سبتة المحتلة واحدةً من أكبر موجات الهجرة غير النظامية منذ أشهر، حين حاول مئات المهاجرين، بينهم قاصرون ونساء وعائلات، الوصول إلى المدينة سباحةً انطلاقًا من السواحل المغربية. لكن هذه الموجة، على هولها، ليست حدثًا معزولًا يُقرأ في ذاته؛ إنها العَرَضُ الظاهر لتحوّلٍ اجتماعيّ عميق تكشفه الأرقامُ بوضوحٍ لا يقبل التأويل.

فبين فاتح يناير و15 يونيو 2026، بلغ عددُ من دخلوا سبتة عبر البرّ — بما فيهم العابرون سباحةً — 2493 شخصًا، مقابل 791 فقط في الفترة نفسها من عام 2025، أي بارتفاعٍ نسبته 215%. والأخطر أن هذا التصاعد يحدث في سياقٍ معاكس تمامًا: ففي الوقت الذي تراجعت فيه الهجرةُ غير النظامية إلى إسبانيا عمومًا بنحو 30%، تسبح سبتة عكس التيار. حين ينخفض المنسوبُ العام ويرتفع منسوبُ نقطةٍ بعينها بهذه الحدّة، فإننا لا نتحدث عن ظاهرة هجرةٍ عابرة، بل عن انفجارٍ اجتماعيّ موضعيّ له أسبابه البنيوية الخاصة.

أولًا: من الفقر إلى فقدان المعنى

التفسيرُ الاقتصادي المباشر  "إنهم فقراء يبحثون عن لقمة العيش"  تفسيرٌ مريح لكنه قاصر. فالفقرُ ظاهرةٌ قديمةٌ قِدَمَ المجتمعات، ولم يدفع الناسَ يومًا إلى الانتحار الجماعي في البحر بهذه الكثافة. لو كان الفقرُ وحده هو المحرّك، لتساوت موجاتُ الهجرة عبر العقود. لكن ما نشهده اليوم طفرةٌ حادّة ومفاجئة، وهذا يعني أن متغيّرًا آخر دخل على الخط.

هذا المتغيّرُ هو انهيارُ الأفق. الفقيرُ الذي يملك أملًا في التغيير يبقى ويكدح، لأنه يرى في صبره استثمارًا في غدٍ أفضل. أما حين يتبخّر الأملُ ذاته — حين يصبح الغدُ نسخةً مكرّرة من اليوم بلا وعدٍ بالتحسّن — فإن حساباتِ المخاطرة تنقلب رأسًا على عقب. عندئذٍ لا يزن الشابُّ الموتَ في البحر مقابل الحياة، بل يزنه مقابل موتٍ بطيءٍ آخر يعيشه على اليابسة. وبين موتين، يختار الأسرع والأكثر كرامةً في نظره.

هنا يكمن الفرقُ الجوهري الذي تغفله القراءاتُ الاقتصادية: ثمّة بونٌ شاسع بين من يفتقر إلى المال ومن يفتقر إلى المعنى. الأولُ قد يجد في الأسرة والدين والانتماء عزاءً يقيه اليأس؛ أما الثاني فقد انقطعت به كلُّ الحبال. والمقلق أن المؤشرات توحي بأن مجتمعنا ينتقل تدريجيًّا من النوع الأول إلى الثاني.

ثانيًا: تأنيثُ الظاهرة، أو حين ينهار آخرُ خطوط الدفاع

قد نتفهّم — على مضضٍ اجتماعيّ — أن يغامر شابٌّ ذكرٌ بحياته. فالثقافةُ السائدة حمّلت الرجولةَ عبءَ الإعالة وإثبات الجدارة، وجعلت من المخاطرة امتحانًا مقبولًا للكرامة الذكورية المهدورة. لا نبرّر، لكننا نفهم المنطق داخل بنيته الثقافية.

لكن حضورَ الفتيات والقاصرات في هذه الموجات — وقد أكّدت المصادرُ وجود قاصرين ونساء وعائلات بينهم — يمثّل تحوّلًا نوعيًّا لا كمّيًّا. ففي مجتمعٍ محافظ، تُعدّ الفتاةُ عادةً آخرَ من يُدفع به إلى المجهول؛ الأسرةُ تحيطها بحمايةٍ مضاعفة، والأعرافُ تجعل هجرتها المنفردة أمرًا استثنائيًّا. أن نراها اليوم تخوض البحر بنفسها يعني أن منظومةَ الحماية الاجتماعية التقليدية — الأسرة، الحيّ، الضبط الجماعي — قد تصدّعت. حين يعبر آخرُ خطوط الدفاع، ندرك أن الجدارَ كلّه قد انهار.

تأنيثُ الهجرة غير النظامية، إذن، ليس تفصيلًا عابرًا. إنه مؤشرٌ سوسيولوجي على أن اليأس لم يعد فئويًّا (محصورًا في الشباب الذكور العاطلين)، بل صار عابرًا للنوع والسنّ، يخترق البنى التي كانت تُعتبر الأكثر تماسكًا.

ثالثًا: شارةُ النصر، أو سيكولوجيا الخلاص الجماعي

من أكثر المشاهد دلالةً تلك اللقطاتُ لفتياتٍ يبلغن الضفةَ الأخرى منهكاتٍ، فيرفعن أصابعهنّ بإشارة النصر. هذه الإشارة تستحقّ قراءةً سوسيولوجية متأنّية، لأنها مفتاحٌ لفهم الحالة الذهنية الجماعية.

فالانتصارُ، في العرف العام، يكون على عدوٍّ أو عقبة. فعلى مَن تنتصر هؤلاء؟ ظاهريًّا على البحر والحرس والموت. لكن في العمق، الإشارةُ موجّهةٌ إلى ما تركنه خلفهنّ: إلى وطنٍ اختزلن وجودهنّ فيه إلى "زنزانةٍ مفتوحة". حين يصبح مجرّدُ المغادرة — ولو بالغرق شبه المؤكد — "انتصارًا"، فإن الرسالة الضمنية مرعبة: البقاءُ هو الهزيمة، والفرارُ هو الظفر. إنها لحظةُ قلبٍ كامل لمنظومة القيم، حيث يتحوّل الوطنُ من مصدر انتماءٍ إلى مصدر تهديد.

هذه ليست فرحةَ الوصول بقدر ما هي نشوةُ الخلاص. وهي أخطرُ بكثيرٍ من الفقر، لأنها تعني أن القطيعة الرمزية بين هذا الجيل ومحيطه قد اكتملت. الفقرُ يمكن معالجته بالاقتصاد؛ أما قطيعة المعنى فتحتاج إعادةَ بناءٍ كاملة لعقدٍ اجتماعيّ انفرط.

رابعًا: كلفةٌ إنسانية باهظة، ووعيٌ لا ينقصه شيء

قد يُظنّ أن هؤلاء يجهلون المخاطر. الأرقامُ تنفي ذلك. فطريقُ مضيق جبل طارق وحده سجّل ارتفاعًا في الوفيات إلى 99 حالة مقابل 52 في العام السابق، فيما سُجّلت 48 حالة وفاة على الحدود البرية لسبتة، بل إن المنظمات المختصة تحذّر من أن طرق الهجرة صارت أكثر فتكًا، بنسبة وفاةٍ واحدة لكل ستة مهاجرين مقابل واحدة لكل ثمانية سابقًا.

المعطى السوسيولوجي الحاسم هنا: الوعيُ بالخطر موجود، والإقدامُ يحدث رغمه. هذا يفنّد فرضيةَ "الطيش" أو "نقص المعلومة"، ويثبت أن القرار عقلانيٌّ ضمن منطق اليائس. من يوازن بين موتٍ محتملٍ في البحر وحياةٍ يراها بلا أفق، فيختار المخاطرة، إنما يجري حسابًا واعيًا، لكن معطياتِه هي التي أصبحت كارثية. المشكلة ليست في عقول الشباب، بل في الواقع الذي يحسبون داخله.

خلاصة: ليست قدَرًا، بل نتيجةَ خيارٍ اقتصاديّ

لنُسمِّ الأشياء بأسمائها، بعيدًا عن لغة التمنيّات: ما يجري على شواطئ الشمال ليس كارثةً طبيعية هبطت من السماء، ولا قدَرًا محتومًا لا يدَ لأحدٍ فيه. إنه النتيجةُ المنطقية والمباشرة لمسارٍ اقتصاديّ اختارته الدولةُ ونخبُها بوعيٍ تام خلال السنوات الأخيرة: اقتصادٌ يتدهور عامًا بعد عام، وتتآكل فيه القدرةُ الشرائية، بينما تتضخّم ثرواتُ حفنةٍ ضيّقة تتحكّم في مفاصله.

هذا الجيلُ الذي يرمي بنفسه في البحر لم يهرب من "الفقر" بمعناه المجرّد، بل هرب من منظومةٍ صُمّمت لتُقصيه. منظومةٌ قامت على الاحتكار، حيث استولت فئةٌ واحدة على القطاعات الحيوية — من المحروقات إلى العقار إلى المواد الأساسية — فرفعت الأسعار كما تشاء، وأغلقت أبوابَ المنافسة في وجه كل وافدٍ جديد. ومنظومةٌ حوّلت الضريبةَ إلى سوطٍ يجلد الطبقةَ الوسطى والصغار، بينما تُمنح الامتيازاتُ والإعفاءاتُ لكبار المستفيدين. والنتيجة: اقتصادٌ يُنتج ثروةً هائلة، لكنها تصبّ كلها في جيبٍ واحد، فيما يُترك الشابُّ الخرّيج بلا عملٍ، وصاحبُ المشروع الصغير يُخنق بالرسوم، والأسرةُ العادية تلهث خلف حاجياتها اليومية.

حين يُغلَق بابُ الشغل، ويُغلَق بابُ المبادرة، ويُغلَق بابُ الأمل في الصعود الاجتماعي، ولا يبقى مفتوحًا سوى بابٍ واحدٍ للأغنياء ليزدادوا غنى — فمن الطبيعي، بل من الحتميّ، أن يبحث الشبابُ عن بابٍ خامس: البحر. سبتة، في هذا المعنى، ليست وجهةً بقدر ما هي حكمٌ يُصدره جيلٌ كامل على نموذجٍ اقتصاديّ لفَظَه.

ومن قمّة السخرية المريرة أن يتزامن كلُّ هذا مع لحظةٍ انتخابية بامتياز؛ فالانتخاباتُ التشريعية على الأبواب في 23 شتنبر المقبل، والأحزابُ والمكوّناتُ السياسية منشغلةٌ حتى النخاع بسباق التزكيات وترتيب اللوائح، ترفع شعاراتٍ برّاقة عن "تجديد النخب" و"استقطاب الشباب" و"ضخّ دماءٍ جديدة في قواعدها". تطرق أبوابَ الشباب فجأةً — بعد سنواتٍ من الإهمال — تدعوهم إلى التصويت، وتتباهى بأنها ستُجدّد بهم صفوفها وتُعيد بهم ثقةَ الشارع. لكنّ الجوابَ جاءها من الشباب أنفسهم، لا من صناديق الاقتراع، بل من مياه المضيق الباردة: «اذهبوا أنتم وانتخاباتُكم؛ فهذا لا يعنينا في شيء، ولا نثق في أحد». إنّ الشابَّ الذي يفضّل أن يسبح نحو الموت على أن يقف في طابور التصويت، إنما يُعلن قطيعةً كاملة، لا مع حزبٍ بعينه، بل مع العملية السياسية برمّتها. حين يصبح البحرُ أصدقَ من صندوق الاقتراع، فتلك أبلغُ إدانةٍ لمشهدٍ سياسيّ فقَدَ آخرَ ما تبقّى له من مصداقية.

إن الفتاةَ التي ترفع شارةَ النصر بعد نجاتها من الغرق لا تحتفل بوصولها، بل توقّع شهادةَ إدانةٍ في حقّ اقتصادٍ صُمّم ليخدم فئةً ويُقصي شعبًا، وفي حقّ طبقةٍ سياسية تتذكّر الشبابَ فقط حين تحتاج أصواتهم. وما دامت الأبوابُ موصدةً في الداخل ومفتوحةً لأصحاب الريع وحدهم، فلا معنى للحديث عن "محاربة الهجرة" ولا عن "إشراك الشباب"؛ لأن الهجرة هنا ليست جريمة، بل هي الجوابُ الوحيد المتاح على سؤالٍ لم يُطرح بصدق: كيف تُبقي شبابًا في وطنٍ صادرَ منهم كلَّ فرصةٍ في الحياة الكريمة، ووزّع ثرواتِه على القلّة، وأقفل في وجوههم كلَّ نافذة؟ ما دام الجوابُ عن هذا السؤال مؤجَّلًا، فسيبقى البحرُ مفتوحًا... وستبقى شاراتُ النصر تُرفع في وجهنا جميعًا.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك