حصلت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على ثقة مجلس النواب، لكن نتيجة التصويت تستحق قراءة تتجاوز إعلان نجاح التنصيب. فمقابل 204 أصوات مؤيدة للبرنامج الحكومي، اختار 127 نائباً التصويت ضده، من مجموع 331 مشاركاً في التصويت. وهي نتيجة تمنح الحكومة سندها البرلماني، وتضعها، في الوقت نفسه، أمام معارضة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل في محضر الجلسة.
لا خلاف على أن الحكومة استوفت شرط التنصيب. فالفصل 88 يربط الحصول على ثقة مجلس النواب بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم لصالح البرنامج الحكومي. لكن استيفاء هذا الشرط يفتح باب ممارسة المسؤولية، ولا يعفي من الإجابة عن الأسئلة التي أثارها البرنامج، ولا يمنح أصحابه ضمانة مسبقة بالنجاح.
هنا تبدأ القراءة السياسية للرقم. فالأصوات المعارضة تمثل نحو 38 في المائة من المشاركين في التصويت، وليس من مجموع أعضاء المجلس. وهذه نسبة معتبرة، لكنها لا تعني وحدها أن الحكومة معزولة شعبياً، كما أن التقاء أصحابها على رفض البرنامج لا يكفي للقول إنهم أصبحوا جبهة موحدة في التصور والبدائل. ما تكشفه النتيجة بوضوح هو أن الحكومة تبدأ عملها أمام اعتراض برلماني واسع، وعليها أن تختار كيف ستتعامل معه: بالإنصات والجواب، أم بالاكتفاء بتذكير المعارضين بأنها تملك الأغلبية؟
والأغلبية نفسها تحتاج إلى قراءة واقعية. فالحصول على 204 أصوات، مقابل عتبة تنصيب تبلغ 198، يترك فارقاً محدوداً فوق الحد المطلوب. غير أن ذلك لا يعني أن غياب بضعة نواب يسقط الحكومة تلقائياً، أو أن كل تصويت تشريعي يخضع لشروط التنصيب نفسها. الدلالة السياسية الأهم هي أن تماسك التحالف، وانضباط مكوناته، وقدرته على تدبير الخلافات، ستكون عناصر حاسمة في عمل الحكومة.
فهل ستُستعمل هذه الأغلبية لتمرير إصلاحات تستجيب لانتظارات المواطنين، أم سيُستهلك جزء كبير من الجهد في الحفاظ على توازناتها الداخلية؟
المواطن لا يعيش داخل حسابات الفرق البرلمانية. إنه يواجه كلفة المعيشة، وينتظر موعداً للعلاج، ويبحث عن مدرسة جيدة لأبنائه وعن فرصة عمل تحفظ كرامته. ولذلك فإن قيمة البرنامج الحكومي لا تُقاس بعدد الوعود التي يجمعها، وإنما بوضوح الطريق إلى تنفيذها: من يستفيد؟ ومتى؟ وبأي تمويل؟ وكيف يمكن محاسبة المسؤول إذا لم يتحقق ما التزم به؟
الحديث عن توسيع الدعم الاجتماعي يحتاج إلى آجال واضحة تراعي حاجات الأسر الحالية. والحديث عن إصلاح التعليم يحتاج إلى تفسير ما سيتغير داخل الفصل الدراسي، وفي تكوين المدرس وظروف اشتغاله. أما أرقام الاستثمار والنمو، فلا تكتسب معناها الاجتماعي إلا عندما يظهر أثرها في فرص الشغل والدخل والخدمات.
وينطبق الأمر نفسه على محاربة الاحتكار وغلاء الأسعار. فالمواطن الذي يؤدي فاتورة مرتفعة لا تكفيه عبارة عامة عن حماية القدرة الشرائية؛ إنه ينتظر إجراءات يمكن تتبعها، ونتائج يمكن قياسها، وتفسيراً واضحاً عندما تتأخر تلك النتائج.
ومن حق الحكومة أن تأخذ فرصتها في العمل، لكن من حق المجتمع أيضاً ألا يتحول طلب هذه الفرصة إلى تأجيل مفتوح للمحاسبة. الأشهر الأولى لن تحل جميع الملفات المتراكمة، لكنها تستطيع أن تكشف طريقة الحكم: هل هناك ترتيب للأولويات؟ هل تُنشر المعطيات الضرورية؟ هل تُشرح كلفة القرارات؟ وهل تُواجه الصعوبات بصراحة، أم تُغطى بخطاب مطمئن لا يغير شيئاً؟
وفي المقابل، فإن الأصوات الـ127 تضع أصحابها أمام مسؤولية مماثلة. فالتصويت ضد البرنامج موقف سياسي مشروع، لكنه يصبح أكثر قيمة حين يتبعه عمل رقابي جاد، ومقترحات قابلة للتنفيذ، وكشف للاختلالات بالأدلة. المعارضة مطالبة بأن تثبت أن اعتراضها يخدم المواطن، وأنها قادرة على تقديم ما يتجاوز تسجيل المواقف.
لقد انتهت جلسة التنصيب، وبدأ الامتحان الأصعب. تستطيع الحكومة أن تستند إلى 204 أصوات لتباشر عملها، لكنها تحتاج إلى نتائج ملموسة حتى توسع الثقة في اختياراتها. كما تستطيع المعارضة أن تستند إلى حجم الرفض داخل المجلس، لكنها تحتاج إلى المصداقية حتى تمنح ذلك الرفض معنى خارج البرلمان.
أما المواطن، فلن يحاسب الطرفين على براعة عدّ الأصوات. سيحاسبهما على ما تغير في حياته، وعلى المسافة بين الكلام الذي سمعه والواقع الذي يعيشه.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!