432 ثرياً.. وطبقة وسطى تختفي

432 ثرياً.. وطبقة وسطى تختفي

حين يتضخّم رأس الهرم وتتآكل قاعدته: قراءة في مفارقة الثروة المغربية

 

في خمس سنوات فقط، أضاف المغرب 127 اسماً جديداً إلى نادٍ ضيّق ومغلق: نادي أصحاب الثروات التي تفوق ثلاثين مليون دولار. فقد انتقل عدد هؤلاء “فاحشي الثراء” من 305 أشخاص سنة 2021 إلى 432 شخصاً سنة 2026، بنسبة نمو بلغت 41.6%، وفق تقرير الثروة العالمي 2026 الصادر عن مؤسسة “نايت فرانك” البريطانية. رقم يضع المملكة في المرتبة الرابعة عشرة عالمياً بين 44 دولة، ويتجاوز بوضوح متوسط النمو العالمي البالغ 29.4%، وأكثر من ضعف معدل القارة الأفريقية الذي لم يتعدَّ 16.7%.

الخبر، في ظاهره، مبعث فخر: بلدٌ يصنع أثرياءه بسرعة، وينتج طبقة عليا تتوسّع أسرع من محيطها الإقليمي. لكن الأرقام، حين تُقرأ بمفردها، تخدع. فالسؤال الذي يجدر بالصحافة أن تطرحه ليس “كم ازداد عدد الأثرياء؟”، بل “ماذا حدث لبقية الهرم بينما كان رأسه ينتفخ؟”.

 

القمة تصعد.. والوسط يترنّح

هنا تبدأ المفارقة. ففي الفترة نفسها التي تسارع فيها تكوين الثروة عند القمة، كانت الطبقة الوسطى المغربية تتحوّل، بحسب المندوبية السامية للتخطيط، إلى “الحلقة الأضعف” في معادلة العيش. تقارير المندوبية كانت صريحة: بين 2014 و2022، تحسّن وضع الفئات الأكثر فقراً والأكثر يسراً معاً، بينما بقيت الطبقة الوسطى خارج قطار التحسّن، لا هي استفادت من برامج الدعم الموجّهة للفقراء، ولا هي بلغت أمان الأغنياء.

والأخطر أن الهشاشة الاقتصادية — أي القرب من حافة السقوط في الفقر — شملت نحو 4.75 مليون مغربي سنة 2022. خمسة ملايين تقريباً يقفون على الحافة، في الوقت الذي يعبر فيه 127 شخصاً حاجز الثلاثين مليون دولار من الجهة المقابلة تماماً. هذه ليست مصادفة إحصائية، بل صورة لاقتصاد ينمو عمودياً أكثر مما ينمو أفقياً.

 

حين ينتقل الفقر إلى قلب المدينة

الرواية الرسمية تقول إن الفقر المدقع صار شبه منعدم (0.3% سنة 2022)، وإن الفقر المطلق تراجع تاريخياً من 15.3% سنة 2001 إلى مستويات دنيا. وهذا صحيح، ولا ينبغي إنكاره حتى لا يفقد النقد مصداقيته. لكن الصحيح أيضاً أن خريطة الهشاشة تغيّرت بنيوياً: عدد الفقراء في المجال الحضري قفز من 109 آلاف شخص سنة 2019 إلى ما يزيد على نصف مليون سنة 2022. الأزمة انتقلت من هامش القرية إلى قلب المدينة، إلى الأحياء التي كانت تُعدّ حتى الأمس خزّان الطبقة الوسطى.

أما مؤشر “جيني” لقياس التفاوت، فبقي عالقاً حول 39 إلى 40% منذ مطلع الألفية، لم يتحرّك إلا بالكاد. بمعنى أوضح: رغم كل برامج الدعم والتغطية الاجتماعية، ظلّت الفجوة بين من يملك ومن لا يملك على حالها تقريباً. النمو حدث، لكنه لم يُعِد التوزيع.

 

نموّ بلا عدالة

جوهر المشكلة أن المغرب ظلّ حبيس نموٍّ اقتصادي ضعيف لم يتجاوز 3% في المتوسط، بينما يحتاج إلى نحو 6% لامتصاص البطالة وتوسيع قاعدة الرخاء. وحين ينمو اقتصاد بهذا البطء، فإن الثروة الجديدة تتجه غالباً إلى من يملك أصلاً أدوات مراكمتها: العقار، القطاع المالي، الاتصالات، السياحة الفاخرة، والصفقات الكبرى. أما الأجير وصاحب الدخل المحدود، فتلتهم التضخمَ قدرتُه الشرائية قبل أن تصله ثمار النمو.

هكذا يعيش المغرب ما يمكن تسميته بـ”مفارقة تنموية حادة”: إنجازات لافتة في محاربة الفقر المدقع وتحسين المؤشرات الكلية، تقابلها رقعة هشاشة تتّسع في المدن، وطبقة وسطى تفقد تدريجياً وظيفتها التاريخية كصمّام أمان اجتماعي وكمحرّك للاستهلاك والاستقرار.

 

السؤال الذي لا يقيسه التقرير

تقرير “نايت فرانك”، في نهاية المطاف، أداة تسويقية موجَّهة لسوق العقار الفاخر ومكاتب إدارة الثروات، لا وثيقة تنموية. هو يقيس سرعة تكوين الأثرياء، لا صحة توزيع الثروة. ولذلك فإن قراءته باعتباره شهادة نجاح اقتصادي شامل هي قراءة مبتورة.

إن ارتفاع عدد من تفوق ثرواتهم ثلاثين مليون دولار لا يعني تلقائياً اتساع الرخاء، تماماً كما أن ارتفاع سعر عقار فاخر في مراكش لا يخبرنا شيئاً عن أجير في سيدي مومن أو فلاح في بني ملال. الخبر الحقيقي ليس أن المغرب صار غنياً، بل أنه صار أسرع في إنتاج الأغنياء منه في توسيع الطبقة الوسطى وحمايتها.

وبين 305 أثرياء سنة 2021 و432 اليوم، و550 متوقَّعين سنة 2031، يبقى السؤال الأهم معلّقاً بلا جواب: هل نبني اقتصاداً يُنتج الثروة للجميع، أم مجرد هرمٍ يتضخّم رأسه بينما تتآكل قاعدته في صمت؟

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك