في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتداخل فيه رهانات المعرفة مع حسابات القوة والنفوذ، لم تعد الدبلوماسية حبيسة القنوات التقليدية المرتبطة بالدولة ومؤسساتها الرسمية، بل أصبحت مجالاً مفتوحاً أمام فاعلين جدد، في مقدمتهم الجامعات والنخب الأكاديمية.
ضمن هذا السياق، يبرز مفهوم "الدبلوماسية العلمية" كأحد أبرز تجليات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين، حيث تتحول المعرفة إلى أداة للتأثير، ويغدو الباحث الأكاديمي وسيطاً غير مباشر في صياغة العلاقات الدولية.
إن الدبلوماسية العلمية لا تعني فقط توظيف العلم في خدمة السياسة الخارجية، بل تتجاوز ذلك إلى بناء شبكات تعاون معرفي عابرة للحدود، تُسهم في تعزيز الثقة بين الدول، حتى في ظل التوترات السياسية. فهي، من جهة، تمكن صانع القرار من الاستفادة من الخبرة العلمية في قضايا معقدة كالتغير المناخي والأمن الصحي والطاقة، ومن جهة أخرى، تتيح للبحث العلمي أن ينفتح على فضاءات دولية أوسع، عبر الشراكات والتبادل الأكاديمي.
في هذا الإطار، تكتسب الجامعة مكانة جديدة باعتبارها فاعلاً دبلوماسياً موازياً، يتجاوز أدواره التقليدية في التدريس والتكوين، ليصبح منتجاً للمعرفة الاستراتيجية ومصدراً للقوة الرمزية. فالجامعة، من خلال استقطاب الطلبة الأجانب، وتوقيع اتفاقيات التعاون، والمشاركة في المشاريع البحثية الدولية، تساهم في بناء صورة الدولة وتعزيز حضورها الدولي. كما أن النخب الأكاديمية، بما تمتلكه من رصيد علمي وشبكات علاقات، تضطلع بدور الوسيط المعرفي، القادر على تقريب وجهات النظر، والمساهمة فيما يُعرف بالدبلوماسية الموازية.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: إلى أي حد استطاعت الجامعة المغربية أن تنخرط في هذا التحول؟ وهل تمكنت النخب الأكاديمية الوطنية من لعب دور فعلي في الدبلوماسية العلمية؟
واقع الحال يكشف عن مفارقة واضحة. فمن جهة، يتوفر المغرب على مؤهلات مهمة تؤهله للعب دور ريادي في هذا المجال، بحكم موقعه الجيوستراتيجي كجسر بين إفريقيا وأوروبا، وانخراطه المتزايد في التعاون جنوب–جنوب، خاصة مع الدول الإفريقية، فضلاً عن توفره على كفاءات علمية ذات إشعاع دولي. غير أن هذه الإمكانات، من جهة أخرى، لا تزال غير مستثمرة بالشكل الكافي، بسبب جملة من الإكراهات البنيوية التي تحد من فعالية الجامعة المغربية في المجال الدبلوماسي.
في مقدمة هذه الإكراهات، يبرز ضعف التمويل المخصص للبحث العلمي، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الإنتاج الأكاديمي وقدرته على المنافسة دولياً. كما أن محدودية النشر في المجلات العلمية المصنفة، وضعف الحضور في الشبكات البحثية العالمية، يقلصان من تأثير الجامعة المغربية في النقاشات الدولية. يضاف إلى ذلك غياب استراتيجية وطنية واضحة للدبلوماسية العلمية، تجعل من الجامعة شريكاً فعلياً في صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية، بدل أن تبقى في موقع المتلقي أو الفاعل الهامشي.
إن الإشكال لا يرتبط فقط بالإمكانيات المادية، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين الجامعة وصانع القرار. فهذه العلاقة لا تزال، في كثير من الأحيان، علاقة انفصال أو على الأقل ضعف في التنسيق، حيث لا يتم استثمار الخبرة الأكاديمية بالشكل المطلوب في بلورة السياسات العمومية، بما فيها السياسة الخارجية. وهو ما يؤدي إلى إهدار رأسمال معرفي كان من الممكن أن يشكل رافعة حقيقية للقوة الناعمة المغربية.
في مقابل ذلك، تشكل هجرة الأدمغة تحدياً إضافياً، حيث تفقد الجامعة المغربية رصيدا مهماً من كفاءاتها لصالح مؤسسات أجنبية، في حين كان بالإمكان توظيف هذه الكفاءات ضمن شبكة دبلوماسية علمية تخدم المصالح الوطنية، سواء من داخل الوطن أو من خارجه.
أمام هذه التحديات، يصبح من الضروري إعادة التفكير في موقع الجامعة ضمن النسق الاستراتيجي للدولة. فالدبلوماسية العلمية لا يمكن أن تتحقق دون إرادة سياسية واضحة، تُترجم إلى سياسات عمومية تُدمج البحث العلمي في صلب الفعل الدبلوماسي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى بلورة استراتيجية وطنية متكاملة للدبلوماسية العلمية، تقوم على ربط الجامعة بمحيطها الدولي، وتعزيز الشراكات الأكاديمية، ودعم مراكز التفكير، وتحفيز النشر العلمي، إضافة إلى تعبئة الكفاءات المغربية في الخارج.
كما أن إدماج الأكاديميين في الوفود الرسمية، خاصة في القضايا ذات الطابع التقني، من شأنه أن يعزز من جودة التفاوض، ويمنح المغرب مصداقية أكبر في المحافل الدولية. فالعالم اليوم لم يعد يُدار فقط بالسياسة، بل بالمعرفة أيضاً، ومن لا يمتلك ناصية العلم، يظل على هامش التأثير.
في المحصلة، يمكن القول إن الجامعة المغربية تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تظل حبيسة أدوارها التقليدية، بعيدة عن دوائر التأثير، أو أن تنخرط في دينامية الدبلوماسية العلمية، لتتحول إلى فاعل استراتيجي يسهم في تعزيز موقع المغرب على الساحة الدولية. وبين الخيارين، يبقى الرهان الحقيقي هو القدرة على الانتقال من منطق الإمكان إلى منطق الفعل، ومن الهامش إلى صلب القرار.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!