لم تعد مدينة طنجة اليوم مجرد مدينة كبرى في شمال المغرب، بل تحولت إلى قطب حضري واقتصادي ضخم، يعرف نمواً ديمغرافياً وعمرانياً متسارعاً لم تواكبه نفس الوتيرة في الإصلاح الإداري والأمني. هذا الاختلال أصبح واضحاً في الضغط الكبير الذي تعيشه المصالح الترابية والأمنية، والتي أصبحت مطالبة بتدبير مدينة يتجاوز حجمها الفعلي التقسيم الإداري الحالي.
فإذا نظرنا إلى الواقع الميداني، نجد أن بعض المقاطعات داخل طنجة أصبحت تعادل مدناً قائمة بذاتها.
مقاطعة بني مكادة على سبيل المثال، تضم كثافة سكانية كبيرة تجعلها في حجم مدن كاملة مثل الفنيدق أو العرائش أو وزان، بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن عدد سكانها يقترب من مدن أكبر، وهو ما يجعل تدبيرها داخل نفس البنية الإدارية الحالية أمراً يطرح أكثر من سؤال حول مدى قدرة الإدارة على مواكبة هذا التوسع.
إن استمرار طنجة بعمالة واحدة أو بتقسيم إداري محدود لم يعد منسجماً مع حجمها الحقيقي، خصوصاً بعد التوسع الكبير الذي عرفته المدينة في اتجاه العوامة، مغوغة، الزياتن، الرهراه، اكزناية، والقطب الحضري الجديد، إضافة إلى الدور الاقتصادي الكبير الذي تلعبه المدينة بوجود ميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية والسياحية.
ولهذا أصبح من الضروري التفكير في إحداث عمالتين جديدتين على الأقل داخل مدينة طنجة، من أجل تقريب الإدارة من المواطنين، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين جودة الخدمات، لأن تدبير مدينة بهذا الحجم بنفس الهيكلة القديمة يؤدي حتماً إلى بطء في الأداء وضغط كبير على المسؤولين والموظفين.
أما على المستوى الأمني، فالوضع أكثر وضوحاً.
فمدينة طنجة اليوم تحتاج مجهوداً أمنياً مضاعفاً، نظراً لكثافة السكان، وتوسع الأحياء، وارتفاع عدد الزوار، ووجود ميناء دولي ومناطق صناعية وسياحية، إضافة إلى موقعها الحدودي الذي يجعلها مدينة ذات حساسية خاصة.
ورغم ذلك، فإن عناصر الأمن بطنجة تقوم بعمل كبير ومشهود له، حيث يشتغل رجال الأمن ليل نهار، وفي كثير من الأحيان فوق طاقتهم، ويسدّون الخصاص من وقت راحتهم الخاصة، من أجل الحفاظ على الاستقرار وضمان أمن المواطنين. لكن من غير المنطقي أن يستمر هذا الوضع دون دعم هيكلي حقيقي يواكب حجم المدينة.
ولهذا فإن إحداث ولاية أمن ثانية بطنجة، أو على الأقل تقسيم أمني جديد وتعزيز الموارد البشرية واللوجستيكية أصبح ضرورة، وليس ترفاً إدارياً، لأن الأمن هو أساس الاستقرار، والاستقرار هو أساس التنمية.
إن طنجة اليوم ليست طنجة الأمس
والمدينة التي أصبحت بوابة المغرب الاقتصادية نحو العالم، لا يمكن أن تظل بنفس التقسيم الإداري والأمني الذي كان مناسباً قبل عشرين سنة.
إن مطلب إحداث عمالتين جديدتين وولاية أمن إضافية بطنجة هو مطلب واقعي، يفرضه عدد السكان، واتساع المجال الحضري، وحجم التحديات، وهو خطوة ضرورية لضمان تدبير أفضل لمدينة أصبحت من أكبر مدن المملكة.
طنجة كبرت…
وحان الوقت أن يكبر معها التنظيم الإداري والأمني

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!